لوغورمو عبدول: الضغوط الاجتماعية والقبلية تهدد استقلال القضاء

قال المحامي والخبير القانوني لوغورمو عبدول إن استقلال القضاء لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه موريتانيا، معتبرا أن الإصلاح القضائي الذي أطلقته السلطات خلال السنوات الماضية لم يدخل بعد حيز التنفيذ بصورة كاملة، رغم ما تحقق من تقدم في بعض الجوانب.

وأضاف لوغورمو، خلال مشاركته في وثائقي «سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني» من إنتاج قناة TTV، أن قضية استقلال القضاء ظلت مطروحة في موريتانيا منذ فترة طويلة، مشيرا إلى أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني جعلها إحدى أولويات مأموريته، وأطلق خلال عامي 2022 و2023 مسارا لإصلاح العدالة شاركت فيه مختلف مكونات الأسرة القضائية، بهدف تحديد الاختلالات ووضع مقترحات لتحسين أداء المنظومة القضائية.

وأوضح أن استقلال القضاء لا يقتصر على غياب الأوامر المباشرة الصادرة عن رئيس الجمهورية أو السلطة التنفيذية، بل يشمل قدرة القاضي على اتخاذ قراره وفقا لضميره وما ينص عليه القانون، بعيدا عن تأثير السياسيين وجماعات الضغط والتجار وأصحاب النفوذ والقبائل والعائلات ومختلف الأطراف المؤثرة في المجتمع.

وأشار إلى أن الواقع الذي يعيشه المحامون والمواطنون يكشف، في نظره، عن أزمة ثقة في القضاء، بسبب تراكم تقاليد التدخل في عمل العدالة وغياب الشفافية في بعض جوانبها، موضحا أن المواطن عندما يقف أمام القاضي قد لا يكون متأكدا من مدى قدرته على اتخاذ قرار مستقل وفقا للقانون، وهو ما يفسر انتشار الاعتقاد بإمكانية تدخل أطراف نافذة في بعض الملفات.

ولفت لوغورمو إلى أن الحديث عن تأثيرات خارجية لا يعني بالضرورة وجود أوامر مباشرة يتلقاها القاضي من مسؤول حكومي، مؤكدا أن الضغوط قد تكون غير مباشرة، وتأتي من البيئة الاجتماعية والسياسية والقبلية والمالية المحيطة بالقاضي.

وقال إن غموض بعض النصوص واتساع هامش التقدير الممنوح للقاضي، إلى جانب ضعف الشفافية، تجعل من الصعب معرفة حقيقة ما يجري داخل المنظومة القضائية، وتفتح المجال أمام الشكوك والتفسيرات المختلفة.

وأكد أن طريقة عمل القضاء قد تجعل القاضي نفسه عرضة لمختلف أشكال التأثير، بما فيها الفساد واللوبيات والضغوط الاجتماعية، معتبرا أن السؤال المطروح لا ينبغي أن يقتصر على معرفة ما إذا كان قاض معين قد تلقى أمرا من وزير أو مسؤول، وإنما يجب أن يتناول كيفية ضمان قدرة القاضي على مقاومة مختلف أشكال النفوذ عندما تكون البيئة التي يعمل فيها هشة وتفتقر إلى الضمانات الكافية للاستقلال.

وفي المقابل، قال لوغورمو إنه، استنادا إلى تجربته كمحام ومتابعته من داخل قاعات المحاكم لعدد من القضايا، خاصة المحاكمات السياسية الكبرى، لم يلاحظ خلال بعض تلك المحاكمات تدخلا مباشرا وملموسا من السلطة التنفيذية لفرض مسار محدد على القضاة.

وأضاف أن تلك المحاكمات شهدت، حسب تجربته، نقاشات قانونية ومواجهات بين الأطراف، ولم يشعر بوجود أوامر صريحة تملي على القضاء اتخاذ قرارات محددة.

لكنه شدد على أن المحاكمات السياسية الكبرى لا تمثل وحدها الصورة الكاملة لاستقلال القضاء، موضحا أن التحدي الأكبر يظهر في القضاء اليومي الذي يتعامل معه المواطنون في حياتهم العادية، وأوضح أن قضايا مثل الشكاوى لدى الشرطة والنزاعات العقارية والحقوق المدنية قد تكون أكثر ارتباطا بالضغوط الاجتماعية وموازين القوة داخل المجتمع، حيث يمكن لشخص يتمتع بنفوذ أو قدرة مالية أكبر أن يؤثر في مسار القضية دون الحاجة إلى تدخل مباشر من وزير أو مسؤول حكومي كبير.

وقال إن استقلال القضاء في هذه الحالة يرتبط أيضا بقدرة المواطن البسيط على الوصول إلى العدالة والحصول على الحماية القانونية نفسها التي يحصل عليها الأشخاص الأكثر نفوذا، مشيرا إلى أن تحقيق ذلك يتطلب تقوية المؤسسات وتعزيز الشفافية وضمان تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

كما أكد لوغورمو أن إصلاح العدالة لا يمكن أن يقتصر على القضاة وحدهم، بل يجب أن يشمل جميع مكونات الأسرة القضائية، بما في ذلك المحامون وكتاب الضبط وغيرهم من العاملين في القطاع. وحذر من أن وجود اختلالات داخل مختلف حلقات المنظومة يمكن أن يفتح الباب أمام علاقات ومصالح مشتركة تؤثر في سير العدالة، بحيث يتم اللجوء أحيانا إلى تسويات أو ترتيبات خارج المسار القضائي والقانوني للحصول على نتائج معينة.

وأشار إلى أن مكافحة الفساد داخل القضاء لا يمكن أن تنجح إذا تم التركيز على القاضي وحده، معتبرا أن العلاقة بين مختلف المتدخلين في العدالة تجعل إصلاح المنظومة مسؤولية جماعية، وتتطلب وضع قواعد واضحة وآليات رقابة وضمانات مهنية تحمي استقلال كل طرف وتمنع استغلال موقعه للتأثير على مسار القضايا.

وشدد لوغورمو على أن الإصلاح القضائي المنتظر ينبغي أن يعالج هذه الإشكالات بصورة شاملة، وأن يترجم إلى إجراءات عملية تعزز استقلال القضاة وشفافية العمل القضائي وتحد من مختلف أشكال النفوذ، معتبرا أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي ما لم تتغير طريقة تطبيقها والبيئة التي يعمل داخلها القضاء.

وخلص المحامي والخبير القانوني إلى أن موريتانيا حققت بعض التقدم في الحد من التدخل السياسي المباشر في القضاء، وفق تجربته، إلا أن تحقيق استقلال قضائي كامل يتطلب استكمال الإصلاحات وتعزيز الشفافية ومعالجة الضغوط الاجتماعية والمالية والسياسية التي قد تؤثر في القاضي، بما يضمن أن يكون القانون والضمير المهني وحدهما أساس إصدار الأحكام.

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.