اعرف يقينا اننا مجتمع بدوي بالفطرة مما لا مجال فيه للشك و ما يترتب على ذلك من ترسبات و آثار البداوة التي قد تكون أحيانا لا تمحى بكد السنين و الدهور إذا رانت في العقول و تشربت منها النفوس و تعاقبت عليها الأجيال تلو الأجيال تورثها.
الا انه ما رابني أنني ما فتئت كلما حضرت نشاطا شبابيا ذا بال ان ارى الشاب الذي يبدو ملمحه انه مثقف و أنيق لا يكاد يصبر على شيئ ياتيه بفطرة الله التي فطر الناس عليها وقد رصدت هذه الظاهرة و سجلتها سابقا في كتابي علمني القانون في موريتانيا و تحضرني شواهد كثيرة لا أنساها و تحضرني الآن منها شواهد في الجامعة و أخرى في العمل المنظم من الحكومة ذا الطابع شبه الرسمي و أخرى في العمل الشبابي غير الرسمي.
ففي الأولى- أي الجامعة - و هي أم الشواهد- فقد هالني ما رأيت ممن يفترض أنهم نخبة و عمود الدولة الفقري الذين تتكأ عليهم - ولا تسألني عن ظهر الدول- من مرتادي جامعة الخلوات على حد تعبيري فقد عاشرتهم في السكن الجامعي و رأيت العجب العجاب رأيت شبابا أستطيع القول أن عقولهم في بطونهم تحركهم حيث تحركت ، شبابا تكاد تجزم انهم يحترمون كل شيئ إلا القواعد الطبيعية التي لا تستطيع شرحا و لا تنظيرا فهي القواعد التي يمكن أن يفطر عليها الصغير و المثقف و غير المثقف
وكذلك الطوابير التي يتدافعون عليها بشكل لا إرادي و دون إمكانية كبح صوت البطون، وقد استعرضت سيلا من تلك الأمثلة في مقدمة كتابي "علمني القانون في موريتانيا" .
أما المثال الثاني فهو في ميدان العمل الشبابي غير الرسمي فلن اكون منحازا له و لن أحابيه أو أجامله أبدا فقد رأيت منه العجب العجاب ولا أستثني منه ما رأيت من العمل الشبابي الدعوي حتى و إن كانت معاشرتي في المجال لا تكاد تذكر، حيث أن هذا الأخير كان لي أشد مفاجئة و هو من يفترض فيه الانضباط والسكينة.
فلا استطيع نسيان تدافع فتية الصيام والمسجد حول السحور و هم في أرقى جو و زمان يمكن أن يكون بعيدا عن شغل النفوس بمطالبها الطينية و الغريب أنني لا أنسى ذلك الشاب الوضاء الذي كرر عليهم أن كلهم سينال نصيبه دون خوف ،لكن هي عقلية النفوس و لوثة العقول.
أما الاخير فهو الذي كان ينبغي له ان يكون بحكم الوسائل و الأهداف أكثر بعدا من هذا، فقد حضرت ذات مرة نشاطا وازنا فيه شخصيات رسمية و ذا حضور شبابي غفير كان يتعلق بورشة معينة فلا تحدثني عن كم التدافع طمعا في الحوص و خوفا من الزمكة و لا الهلع و لا الضجيج و الذي لا ينقطع و الذي هو معتاد في هكذا امور بحكم عدم إمكان الشباب و قدرتهم على أن يمضو سويعات دون تحريك السنتهم و "شد الأخبار" كما هو معتاد و مألوف في عرفنا.
إلا أنني وجدت ان الخيط الناظم لكل ما سبق هو عقلية واحدة فالعقلية البدوية أنشأت لنا سباقات مراهنات على عدم "الزمكة" و "النفشة" ينتج عنها مايسمى لدينا " الحوص" و هي مبادئ تكاد تكون مقدسة لدينا ، يعاب لدينا في الثقافة المتعلقة بلخيام من يكسر القاعدة فيقال فلان " منفوش" و فلان "منكود" و هذه الكلمات ترجمة لمن لم يأخذ نصيبة بالقوة و بالأنانية.
و الكارثة الأطم هي أن الشباب الذين يتخرجون من الجامعة هم من سينظمون العمل الشبابي الرسمي و كذلك غير الرسمي و هم جميعا يشربون من نفس المنبع الذي هو نبع الزمكة و الحوص ذا الرب و الأكل الواحد،فلا تسألني إذا عن النتائج،
الا أنه إذا كان هذا هو الشباب الذي سيبنى عليه هذا البلد هو هكذا عقلية و تفكيرا فكبر على الوطن و ترحم عليه بالمغفرة و الرضوان و انا لله و انا إليه راجعون.
المصطفى سيدعالي - باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسيه






