ليست الحقيقة ما ندّعيه لأنفسنا، بل مطابقة ما في الأذهان لما هو في الأعيان، ولن تتحول أرقام الوزير الأول إلى حقيقة في حياة مواطن بائس لا يجد في العاصمة والمدن الكبرى مدرسة يتعلم فيها أبناؤه، وإذا حالفه الحظ ووجد مدرسة في حيه، وجدها مكتظة ناقصة المدرسين والتجهيزات. وإذا بحث عن سرير في مستشفى، أو عن خدمة صحية لا تتجاوز توفير الضمادات وقياس النبض، فلن يجدها إلا بشق الأنفس، وبعد معاناة تضاف إلى معاناة مرضه.
هناك تغير في في حياة الناس بعد خطاب الوزير الاول في السنة الماضية 2025 لكنه في الاتجاه المعاكس : تدهور مستمر في مستوى معيشة الناس، وتضاعف في كلفة الغذاء، وتراجع في خدمات التعليم والصحة والماء والكهرباء، وغياب فرص العمل.
تغيرتْ الأرقام في الخطاب الرسمي، لكن الواقع تغير نحو الأسوأ في حياة المواطنين.
كيف يمكن إقناع الناس بأن النمو تجاوز أربعة في المائة، بينما تنهار قدرتهم الشرائية وتسحق شروط معيشتهم وكيف سيقتنع سكان نواكشوط - باستثناء أحياء المترفين- بأن مشكلة الطمي قد حُلّت، فيما لا تزال أحياؤهم المبتلاة بالعطش والأنين تستجدي سقاية الصهاريج من المحسنين، ونهرهم الزاخر بالمياه العذبة يواصل هوج جريانه و انحداره نحو المحيط، غير عابئ بالبرنامج الحكومي، ولا مستعد لتغيير اتجاهه تأييداً لما أعلنه الوزير الأول قبل سنة.
وبعد سنوات من إدارة الشأن العام، يعلن الوزير الأول برامج لإصلاح المدن، وتطوير الخدمات الحضرية، ومعالجة النفايات، ووضع المخططات العمرانية، وكأنها مشكلات وطوام اكتُشفت للتو، أو مخلفات حكومات أخرى لم يسبق للحكومة الحالية أن شاركت في تسييرها. إنها مفارقة أن تتحول المسؤوليات التي كان يفترض أن تكون حصيلة سنوات من العمل إلى وعود جديدة، وأن يقدم تأجيل الواجبات القديمة باعتباره رؤية طموحة للمستقبل.
الحديث عن موريتانيا سنة 2060، يبدو استفزازا قبل أن بكون هروبا من الواقع .. استفزاز للجياع والعراة وسكان الأعرشة والصفيح، الذين لا ينتظرون من الحكومة خرائط لمستقبل بعيد، وإنما أفعالاً تضمد جراح عوزهم .
لا يحتاج سكان بلديات امبود باركيول والعين الصفرة وميتْ وأحياء الترحيل ولقريكة و( حياة جديدة) وأضرابهما في مقاطعات نواكشوط لا يحتاجون إلى الحديث عن مخططات عمرانية بقدر حاجتهم إلى مدرسة الآن، ومستشفى الآن، وماء صالح للشرب الآن، وأسعار مواد أساسية في متناولهم وفرصة عمل تنقذهم من العوز والإذلال، وصور شوارعهم ومعاناتهم الخادشة للضمير الإنساني..
إن محاولة إنجاز الحاضر والتخطيط للمستقبل في وقت واحد في مثل ظروف موريتانيا التي أوصلتموها اليها قد تنتهي إلى خسارة الاثنين معاً، خصوصاً حين لا يتجاوز إنجاز الحاضر استغراقاً طويلاً في الإعلانات والوعود، بينما يتطلب المستقبل رسم ملامح موريتانيا بعد أكثر من ثلاثة عقود.
فهل من (الإنصاف ) ومشتقاته أن يُطلب من مواطن لا يجد قوت يومه أن يشارك الحكومة حماستها لموريتانيا 2060، فيما لم تستطع أن توفر له الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة في موريتانيا 2026.
نرجو اللطف وحسن العاقبة ورشاد الحكم والحكامة لموريتانيا التي قد يعيشها أحفادنا سنة 2060، لكن العطش وألم الجوع يهفوان لعيش وشروط بقاء أنساني كريم اليوم، قبل موريتانيا 2060 .
ومن يعجز عن إصلاح مدرسة أو توفير سرير في مستشفى أو إيصال الماء إلى أحياء العطاش، ويباع في عهده كيلو سمك بحر الظلمات الزاخر ب 30 دولار لمن دخله الشهري لا يتجاوز 100 دولار لا ينبغي أن يستعجل مطالبة الناس بالتصفيق لما يعدهم به بعد ثلاثة عقود.





