إن الجدلية الدائرة بين بعض النخب في موريتانيا والمغرب حول أيّ الشعبين أصلٌ للآخر، تشبه إلى حد بعيد جدلية البيضة والديك؛ جدلٌ يستنزف الذهن، ولا يغيّر شيئًا من واقع الشعوب ولا يجيب عن أسئلتها الحقيقية.
يبدو أن بعض النخب في البلدين قد عجزت عن الانشغال بما ينبغي أن تنشغل به تجاه شعوب المنطقة، فاستدعت من التاريخ وهمًا ذهنيًّا، وحوّلت اختلافات البيعات والنظم السياسية والأحوال الإدارية المتعاقبة إلى قضية هويات، مع أن تلك التحولات لا تنشئ هوية الشعوب ولا تمحوها.
للشعوب ثوابت أعمق من أن تختزلها أنظمة الحكم، وروابط أرسخ من أن تفككها جدليات الأصل والفرع، وقواسم مشتركة تجمعها أكثر مما تفرقها.
أما الأولويات الحقيقية، فلا تزال تنتظر من النخب أن تنصرف إليها بجدية ومسؤولية: العدالة الاجتماعية، والحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، والمساواة، والتحرر من التبعية للآخر.
فما قيمة أن تنتصر نخبة في جدل حول مَن أصلُ مَن، بينما لا ينتصر المواطن في معركته من أجل الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص؟
والأغرب في هذا الحراك ظهور شخصيات فكرية يُفترض أنها لا تؤمن إلا بالخلافة الإسلامية، وتتجاوز في تصورها السياسي حدود الدول الوطنية؛ فإذا بها تنخرط في جدل حول البيعات والحدود والأصول بين المغرب وموريتانيا، وكأنها تتبنى منطق الدولة الوطنية الذي تتجاوزه نظريًّا.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: أهذه مراجعة فكرية تقتضيها فقه المرحلة، أم تراجُع عن المواقف السابقة تفرضه حسابات الواقع؟
ليست أزمة الشعوب أن تجهل مَن سبق الآخر، بل أن تنشغل نخبها بمن سبق، وتنسى إلى أين ينبغي أن تتجه.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي
حين تنشغل النخب بأصل البيضة والديك!/ محمد الصحه





