تبدأ الدولة حين تنتقل السلطة من أيدي الجماعات المتفرقة إلى إطار عام يتساوى الناس أمامه، وتنتقل معه منزلة الفرد من موقعه في النسب والقرابة إلى موقعه في المواطنة. عندها يصبح القانون مرجعا مشتركا، وتغدو الوظيفة العامة مسؤولية يحددها الاستحقاق، وينشأ بين المواطن والدولة رابط مباشر يحرره من طلب الحماية عبر زعيم أو جماعة. ومن هذه النقلة تستمد الدولة معناها العميق لتبدو مجالا يحتضن روابط المجتمع من دون أن يجعل إحداها معيارا للحق أو طريقا إلى السلطة.
ويظهر الخلل حين تعود القبيلة إلى المجال العام حاملة مطالب تتجاوز صلاتها الاجتماعية، فتقيم مؤتمراتها وتظاهراتها وتستعير أحيانا عناوين الثقافة والتنمية، لتخفي "على استحياء" سعيها إلى إظهار الحشد وتثبيت الزعامة وإعلان النفوذ. وفي بلادنا يبدو أن هذا الحضور أخذ يطل بصورة أكثر جرأة، مع احتفالات تنصب فيها الزعامات أمام الجمهور، ووفود تلتقي المسؤولين بمن فيهم رئيس الجمهورية بصفتها ممثلة لجماعات قبلية، ومشايخ يرون في مكانتهم مدخلا إلى المناصب والوظائف الكبرى. وحين تجتمع هذه الصور في مشهد واحد، يصبح السؤال متعلقا بحدود السلطة التي يملكها المجتمع وحدود السلطة التي ينبغي أن تبقى للدولة.
وتتجاوز دلالة هذه المظاهر رمزية الاحتفال أو المكانة الاجتماعية، لأنها تعيد تشكيل الطريق الذي يصل الفرد بالمؤسسة. فإذا صار الانتماء القبلي أقدر على فتح أبواب الوظيفة من الكفاءة، وصارت الزعامة القبلية قناة للتمثيل والوساطة والتعيين، نشأت إلى جانب الدولة مرجعية فعلية لتوزيع الفرص وتحديد مواقع الناس. وحينئذ يتراجع معنى المواطنة في التجربة اليومية، ويجد المواطن نفسه محكوما بوزن الجماعة التي ينتمي إليها وبقدرتها على التفاوض مع أصحاب القرار. وهكذا تتسلل السلطة الموازية إلى نسيج الدولة، مستفيدة من اعترافها الرسمي ومن حاجتها إلى الولاء والحشد.
ويزداد الأمر التباسا حين تتقدم هذه الممارسة عبر بوابة التراث، لأن الثقافة تمنح الاجتماع العام مشروعية محببة وتخفي أحيانا ما يحمله من تنافس سياسي. فالمهرجان الذي يحيي الذاكرة المشتركة يضيف إلى الوطن معنى، أما اجتماع القبيلة الذي يبرز قوتها ويعيد تثبيت التراتبيات داخلها فيجعل الهوية الخاصة أداة في صراع النفوذ. وبين الصورة الثقافية والوظيفة السياسية يتغير معنى الحدث، ويتحول من احتفاء بالموروث إلى إعلان عن جماعة كل هما أن تظهر قوتها واستعدادها لخدمة صاحب الكرسي من أجل أن تحسب السلطة لها حسابا بوصفها كتلة ذات وزن معتبر.
وقد كشفت تجارب دول كثيرة أن تسليم المجال العام لزعامات قبلية يضعف المؤسسات من داخلها، لأن الدولة التي تفاوض الجماعات على الحقوق والوظائف وفق موازين القوة تنقل مركز الثقل من القانون إلى الولاء. وتكون النتيجة تراجعا في ثقة المواطنين بالمؤسسات واتساعا للوساطة وارتباطا متزايدا بين فرص الأفراد ومواقعهم داخل الجماعات. ولا تحتاج هذه المسارات إلى انهيار مفاجئ لكي تهدد الدولة؛ إذ يكفي أن تتنازل المؤسسات تدريجيا عن عموميتها حتى تصبح السلطة مجرد شبكة من الامتيازات المتفاوض عليها.
ومن هنا تتحدد المسألة في ضرورة ضبط العلاقة بين الانتماء القبلي وممارسة السلطة بما يصون للقبيلة مكانتها الاجتماعية ويثبت للدولة مرجعيتها العامة، فتظل روابط الذاكرة والتكافل في صلب حياة المجتمع وتبقى الحقوق والوظائف والقرار محكومة بمعايير المواطنة والاستحقاق. وحين يتقدم الشيخ على المؤسسة والنسب على الكفاءة، فإن القبيلة تستأسد على الدولة التي تغدو مؤسساتها ساحات لتقاسم النفوذ، فتتوزع مرجعية القرار بين الدولة والقبائل ويصبح المجال الوطني مهددا بالانقسام، ليغدو السؤال عن بقاء الدولة سؤالا عن صاحب القرار الفعلي - إن ظل هناك صاحب قرار فعلي - في ظل تتعدد الجهات التي تطلب الطاعة من مواطني الدولة الواحدة!
وكالة كيفه للانباء





