موسم التمجيد (افتتاحية وكالة كيفه للانباء)

لم تكن المشكلة الكبرى في المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فيما قاله الرئيس، ولا فيما تجنب قوله، ولا حتى في الإجابات التي تركت بعض القضايا معلقة بين التوضيح والتأويل. المشكلة الأشد خطرا بدأت بعد انتهاء المؤتمر، حين اندفعت جوقة من كبار المسؤولين والسياسيين والمنتفعين من السلطة لتحويل لقاء صحفي عادي، يفترض أن يخضع فيه الحاكم للمساءلة، إلى مناسبة جديدة لإعلان الولاء، وتجديد البيعة، ورفع الرئيس فوق السياسة وفوق النقد وفوق المقارنة.

كان يفترض أن يشكل المؤتمر لحظة وطنية للنقاش. رئيس الجمهورية يعرض رؤيته، والصحافة تسائله، والرأي العام يزن إجاباته، والقوى السياسية تقارن بين الوعود والنتائج. هكذا تعمل الجمهورية حين تكون جمهورية. غير أن ما حدث بعد المؤتمر كشف أن قطاعا واسعا من الطبقة الحاكمة لم يتعلم بعد الفرق بين الدولة والبلاط، وبين المسؤول والمريد، وبين الدفاع السياسي المشروع عن حصيلة الحكم وبين صناعة صورة حاكم معصوم لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه.

خرج علينا مسؤولون كبار، وقيادات حزبية، وكتاب سلطة، وحملة أبواق، يتحدثون عن المؤتمر كأنه فتح مبين. اكتشفوا فيه الحكمة كلها، والشفافية كلها، والصدق كله، والشجاعة كلها، والرؤية كلها. لم يعثر أحدهم على جواب ناقص، أو رقم يحتاج إلى تدقيق، أو سياسة تستحق المراجعة، أو ملف كان ينبغي أن يحظى بإجابة أوضح. بدا الأمر كما لو أن البلاد لم تشاهد مؤتمرا صحفيا لرئيس منتخب، وإنما شهدت تجليا سياسيا ينبغي استقبال كل كلمة فيه بالتسبيح والتكبير.

هؤلاء لا يدافعون عن الرئيس، وإنما يسيئون إليه. ولا يخدمون الدولة، وإنما يهدمون ما تبقى من معناها المؤسسي. فالحاكم الذي تحيط به جوقة لا ترى فيه إلا الصواب يفقد القدرة على سماع المجتمع، والسلطة التي تحول النقد إلى جريمة أدبية والمديح إلى شرط للترقي تصنع حول نفسها جدارا من الوهم، ثم تفاجأ ذات يوم بأن البلاد التي كانت تصفق لها لم تكن راضية، وأن الصمت الذي اعتبرته إجماعا لم يكن سوى خوف أو يأس أو انسحاب من المجال العام.

المفارقة الفادحة أن الرئيس نفسه تحدث خلال المؤتمر عن أهمية المؤسسات، وعن خطورة اختزال مسؤوليات الدولة في شخص واحد. غير أن كبار موظفي الدولة وحزبه وبعض المتحدثين باسمه لم ينتظروا طويلا حتى يقدموا الدليل على أن ثقافة الاختزال ما تزال راسخة في بنية النظام. فكل طريق عندهم ينتهي إلى الرئيس، وكل إنجاز يصدر عنه، وكل إخفاق مسؤول عنه موظف صغير، وكل فكرة صائبة من وحي حكمته، وكل خطأ نتيجة سوء التنفيذ. وهكذا يتحول رئيس الجمهورية إلى مصدر أوحد للخير، بينما تتحول الحكومة والإدارة والحزب إلى أجهزة مديح وتبرير.

هذه ليست دولة مؤسسات. هذه وصفة قديمة لإفراغ المؤسسات من مضمونها مع الإبقاء على أسمائها ولافتاتها. فالوزير الذي يقضي وقته في شرح عبقرية الرئيس لن يجد وقتا لتفسير إخفاق وزارته. والمدير الذي يبني مستقبله على الولاء الشخصي لن يشعر بحاجة إلى الكفاءة. والسياسي الذي يتنافس مع زملائه في ابتكار عبارات الثناء لن يبني حزبا ولا فكرة ولا مشروعا. والصحفي الذي يرى مهمته في تلميع السلطة يتخلى طوعا عن سبب وجوده.

لقد قدم المؤتمر إجابات يمكن الاتفاق معها أو الاعتراض عليها. وهذه هي طبيعة السياسة. الرئيس مسؤول سياسي، وبرنامجه قابل للتقييم، وقراراته قابلة للنقد، وتقديراته قابلة للخطأ. انتخابه لا يمنحه العصمة، وهدوء خطابه لا يجعل كل ما يقوله حقيقة نهائية، ونزاهته الشخصية المفترضة لا تعفي حكومته من المحاسبة، كما أن احترام مقام الرئاسة لا يفرض تقديس شاغلها.

المجتمعات التي تحترم حكامها تحاسبهم. أما المجتمعات التي تقدسهم فتفسدهم وتفسد نفسها معهم. وما يحتاجه الرئيس غزواني اليوم ليس مزيدا من القصائد السياسية، ولا بيانات حزبية مكتوبة بلغة البلاط، ولا مسؤولين يتحدثون كما لو أن أعظم واجباتهم الوطنية تعداد خصاله. يحتاج إلى من يقول له إن قطاعات من المواطنين لم تلمس بعد أثر الوعود في حياتها، وإن الفساد لا يهزم بالخطاب، وإن الإدارة التي تتغنى بالمؤسسات ما تزال تعاني الشخصنة والمحسوبية، وإن البطالة وغلاء المعيشة ورداءة الخدمات لا تختفي لأن مؤتمر الرئيس وصف البلاد بأنها تمضي في الاتجاه الصحيح.

كان يمكن للمؤتمر أن يفتح نقاشا جديا حول حصيلة الحكم، وحدود الإصلاح، ومستقبل الحوار، ودلالة الالتزام بالدستور، وأداء الحكومة، واستقلال المؤسسات، ومكافحة الفساد. غير أن ماكينة التمجيد حاولت إغلاق النقاش قبل أن يبدأ. أرادت أن تفرض على الموريتانيين خلاصة واحدة جاهزة، هي أن الرئيس كان مقنعا، وأن المؤتمر كان تاريخيا، وأن كل من لم يقتنع يعاني قصورا في الفهم أو سوءا في النية.

هذه العقلية هي العدو الحقيقي لأي مشروع إصلاحي. فهي تحول السياسة إلى طاعة، والإعلام إلى دعاية، والحزب إلى حاشية، والإدارة إلى سلم للولاء. وهي التي صنعت في مراحل سابقة زعماء قيل عنهم إنهم ضرورة وطنية، ثم اكتشف مادحوهم بعد سقوطهم أنهم كانوا مصدر كل الشرور. الأشخاص أنفسهم الذين يتسابقون اليوم إلى مدح الرئيس سيكونون أول من يتبرأ منه إن تغير ميزان السلطة، لأن عبادة الحاكم لا تنتج وفاء، وإنما تنتج نفاقا منظما يتبع القوة حيث اتجهت.

ليس من مصلحة الرئيس أن تحيط به هذه الجوقة. وليس من مصلحة موريتانيا أن يعود المجال العام إلى ثقافة الزعيم الذي تختصر فيه الدولة، وتوزن الوطنية بمقدار القرب منه، ويعامل نقده كأنه اعتداء على الوطن. رئيس الجمهورية موظف دستوري كبير، منحه الشعب سلطة محددة ولم يمنحه حق امتلاك الدولة أو احتكار الحقيقة. واحترامه يبدأ باحترام هذه الحدود، كما يبدأ احترامه لنفسه بإبعاد المتزلفين الذين يريدون تحويله من رئيس إلى أيقونة.

لقد انتهى المؤتمر الصحفي، وبقي السؤال الأهم معلقا. هل نحن أمام دولة تريد مواطنين أحرارا يناقشون سياساتها، أم أمام سلطة تريد جمهورا يصفق لها؟ وهل يريد كبار المسؤولين بناء مؤسسات تعيش بعد الرئيس، أم بناء مجد شخصي مؤقت يعيشون في ظله؟

إن موريتانيا لا تحتاج حاكما فوق النقد، لكنها تحتاج دولة فوق الأشخاص؛ ولا تحتاج أبواقا تحرس صورة الرئيس، وإنما مؤسسات تحرس حقوق المواطنين. وكل خطاب يضع الحاكم في مقام لا تصله المساءلة، مهما تزيا بثوب الوفاء والوطنية، ليس دفاعا عن الاستقرار، وإنما هو في حقيقته تأسيس هادئ وماكر للاستبداد.

وكالة كيفه للانباء 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.