حين يحتاج المريض إلى منشور كي يُسمع صوته!

في بلد يحترم كرامة الإنسان، لا ينبغي لمريض سرطان أن يكتب منشورا مؤلما على مواقع التواصل حتى يحصل على حقه في العلاج. ولا ينبغي لجلسة أشعة، قد تكون فارقة في تخفيف الألم أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أن تتحول إلى موعد مؤجل، ثم إلى انتظار جديد، ثم إلى صرخة رقمية، ثم إلى زيارة وزارية.

ما حدث مع المريض الذي يعاني من سرطان في الدماغ والكبد ليس مجرد حالة فردية عابرة. إنه مرآة قاسية لخلل أعمق داخل منظومة علاج الأورام، حيث يصبح المريض الضعيف مطالبا بأن يملك صوتا مؤثرا، أو شبكة تعاطف، أو حضورا على المنصات، كي تتحرك الإدارة وتنتبه الوزارة.

زيارة وزير الصحة للمريض وإعطاؤه التعليمات بإجراء جلسة الأشعة في اليوم نفسه قد تبدو في ظاهرها استجابة إنسانية محمودة. لكنها في العمق تطرح سؤالا أكثر إيلاما: لماذا احتاج الأمر إلى منشور متداول وتفاعل واسع حتى تتحرك المنظومة؟ أين كانت الإجراءات الطبية؟ أين كانت الأولوية الاستعجالية؟ أين كانت المتابعة؟ وأين كان صوت المرضى الذين لا يعرفهم أحد ولا يكتب عنهم أحد؟

المشكلة ليست في أن الوزير زار مريضا. المشكلة أن زيارة الوزير لا ينبغي أن تكون بديلا عن إصلاح المستشفى. ولا ينبغي أن تتحول الحالات الإنسانية إلى مناسبات للعلاقات العامة، بينما يبقى الخلل قائما في المواعيد، والاستقبال، والتوجيه، والإنصات، والتعامل مع آلام مرضى السرطان.

مرضى الأورام لا يملكون ترف الانتظار. كل يوم تأخير قد يعني ألما إضافيا، تدهورا جديدا، أو فرصة علاج تضيع. لذلك فإن التعامل معهم لا يمكن أن يخضع لبرودة المكاتب ولا لمنطق “عد بعد أيام”. هؤلاء في معركة مفتوحة مع المرض، وما ينتظرونه من الدولة ليس الشفقة بعد الضجة، بل نظاما صحيا يحترم هشاشتهم قبل أن تتحول مأساتهم إلى قضية رأي عام.

السؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا زار الوزير هذا المريض؟ بل: ماذا عن المرضى الآخرين؟ ماذا عن الفقراء الذين لا يملكون حسابات مؤثرة؟ ماذا عن النساء والرجال القادمين من الداخل، الذين ينامون على أرصفة المستشفيات أو في بيوت أقاربهم، في انتظار موعد أو ورقة أو توقيع؟ ماذا عن الذين يتألمون بصمت، ولا تتحول صرخاتهم إلى منشورات متداولة؟

إن إصلاح مستشفى الأنكولوجيا لا يبدأ بزيارة استثنائية لمريض واحد، بل يبدأ بمراجعة شاملة لطريقة استقبال المرضى، وترتيب الأولويات الطبية، وضمان المواعيد في آجال معقولة، ومحاسبة كل تقصير إداري أو مهني يفاقم معاناة المصابين بالسرطان. يبدأ الإصلاح حين يصبح حق العلاج مكفولا بالملف الطبي لا بعدد المشاركات والإعجابات.

ما نحتاجه ليس وزيرا يتدخل كلما انفجرت حالة على فيسبوك، بل وزارة تجعل التدخل الاستثنائي غير ضروري أصلا. نحتاج منظومة ترى المريض قبل أن يصرخ، وتسمعه قبل أن يكتب، وتحميه قبل أن يصبح قضيته رأيا عاما.

المرض لا ينتظر، والسرطان لا يؤجل مواعيده. ومن العار أن يشعر مريض في هذه المرحلة القاسية أن الطريق إلى العلاج يمر أولا عبر مواقع التواصل.

مولاي ولد سيد احمد

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.