قراءة في مضامين مهرجان المعارضة/ زينب ينت سيديني

 

بعد تحضير دام ثمانية أعوام، نظمت المعارضة مهرجانًا خدم النظام أكثر مما خدم المعارضة.

نعم، فمنذ 2019 وحتى 2026 كان خطاب المعارضة مختلفًا ومواقفها متباينة، لا بسبب ضعفها أو غيابها، وإنما بسبب انعدام مبررات المعارضة أصلًا في ظل حكم الرئيس غزواني القائم على مبدأ التشاور وإشراك المعارضة في مختلف البرامج الوطنية والسياسات التنموية للدولة، واعتماد سياسة تشاركية.

وبعد شعور بعض المتسيّسين الذين اعتادوا ابتزاز الدولة الموريتانية والعمل على تسويق ملفات وهمية للخارج بأن أساليبهم لم تعد مقنعة، وبما أن الدولة تمنع الخروج على القانون والابتزاز السياسي والتعامل مع السياسة بحسابات شخصية، حملوا المعارضة على النزول إلى الشارع بحجة المحافظة على رصيدها الشعبي، ومن أجل الضغط على النظام فيما يتعلق بموضوع الحوار، الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي “طموح للوطن”، ودعا إليه الجميع، وضمن أنه سيكون دون خطوط حمراء ولا يستثني أي موضوع.

لنكتشف أن المعارضة تضع شروطًا على الأغلبية لمنعها من التعبير عن رأيها وابتزازها بتعطيل الحوار. وهذه مفارقة غريبة تتمثل في منع الأغلبية في البرلمان والمجالس الجهوية والبلدية من التعبير عن رأيها بحجة المواد المحصنة.

لهذا السبب فكّر وقدّر مهندسو مهرجان 11 مايو 2026 في جمع كل أطياف المعارضة وفسيفسائها المختلفة، مع دغدغة مشاعر الآخرين وتوظيف الأزمة العالمية، من أجل حضور جاء دون مستوى التوقعات من حيث الكم والكيف والتناسق الجماهيري، كما تباين الخطاب السياسي للقادة، ليشكّل المهرجان أكبر دعاية للنظام وأغلبيته الرئاسية الحاكمة.

بدأ ذلك بمشاهدة الجماهير حجم انتشار شبكة الطرق المعبدة المنتشرة في العاصمة، وكذلك الجسور المشيدة التي تم بناؤها في ظل هذا النظام المبارك، مما جعل الجماهير تخال أنها في عاصمة إحدى الدول العظمى.

كما فنّد المهرجان مزاعم التضييق على الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، وهي يافطات تكذبها اللحظات الأولى من تواجد الحضور المنعم، لله الحمد والمنة، كما كذبها الواقع الاقتصادي للبلد والسياسات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي التي انتهجها فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة سنة 2019.

فلو كانت في موريتانيا مضايقة للحريات المدنية والسياسية، لما سُمح للمعارضة بتنظيم مهرجانها أصلًا. فتنظيم المهرجان في حد ذاته ينسف مقولة التضييق على الحريات.

وإلزام القائمين على النشاط بالإعلان عنه والتنسيق مع السلطات الإدارية والأمنية هو ضمانة تحقق التكامل بين الأمن والحريات، وترفض الفوضى والترويج لخطابات التحريض والكراهية والخرقات المتكررة للقانون، إضافة إلى الترويج للشائعات المضللة، كشائعة منع الوفد الموريتاني من المشاركة في أعمال اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان، وهي شائعة لا أساس لها من الصحة، فالوفد ما يزال يشارك في أعمال اللجنة بشكل طبيعي، وقد خدمت هذه الشائعة النظام لأنها بيّنت عدم مصداقية بعض الادعاءات.

أما النقطة الثالثة فهي مزاعم تردي الأوضاع الاقتصادية، وهو ما يكذبه الواقع؛ لأن الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019 كان يبلغ 6.7 مليار دولار، بينما يصل الآن إلى 12.7 مليار دولار.

كما أن المديونية الخارجية كانت تصل إلى 104% مقارنة بالناتج الخام، وكانت موريتانيا تقع في المنطقة الحمراء خارج منطقة الدولار، وكانت بنوك التسليف ترفض التعامل معها، أما الآن فإن حجم المديونية لا يتجاوز 45%، وجميع المؤسسات المالية تتسابق للتعامل مع موريتانيا، وهو ما ينفي مزاعم تردي الأوضاع الاقتصادية.

أما عن السياسات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي للرئيس غزواني، فمنذ وصوله إلى السلطة انتهج سياسات اقتصادية ذات طابع اجتماعي تركز على الاستثمار في الإنسان والشرائح الأكثر هشاشة. فارتفعت نسبة التأمين الصحي، وازداد عدد المؤمنين صحيًا من 600 ألف شخص إلى أكثر من ثلث السكان، كما رُفعت نسبة الأجور والعلاوات والتقاعد بشكل كبير، مما يدل بوضوح على انحيازه الكامل للشرائح الأكثر هشاشة.

وظلت وكالة “التآزر” تواكب المواطن الضعيف حيثما كان، من خلال حفر الآبار، وإدخال المياه، وكهربة المدن الريفية، وتوزيع المبالغ النقدية المنتظمة والموسمية على الأسر المتعففة في 8919 قرية وتجمعًا على امتداد التراب الوطني، إضافة إلى رفع نسبة معاشات التقاعد بنسبة 100%.

ومن تأمل في نسبة الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، ونسبة التوظيف التي يعمل فخامة رئيس الجمهورية على أن تصل إلى 34 ألف مواطن، بينما وصل عدد المدارس إلى 10 آلاف حجرة دراسية، وزادت الطرق المنجزة على 3200 كلم، وتغير الوجه الحضري للعاصمة التي عرفت الجسور والطرق الدائرية لأول مرة، يدرك تمامًا أن الواقع يفند مزاعم القائلين بعكس ذلك.

أما ارتفاع الأسعار، فنحن في الحزب الحاكم نتعامل معه بواقعية لا بالشعارات الجوفاء، فندعم السلع والمحروقات، ونرفع نسبة الأجور والعلاوات، لكننا لا نتحكم في ظاهرة عالمية أسبابها معروفة، ولا نتلاعب بمشاعر الشعب لحسابات سياسية وحزبية.
زينب بنت سيديني

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.