أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة تحليلية جديدة بعنوان: "مالي: كيف تحولت الأزمة الداخلية إلى عقدة صراع إقليمي ودولي؟"، تقارب الأزمة المالية من زاوية تتجاوز القراءة الأمنية المباشرة، وتتعامل معها بوصفها حالة كاشفة لتحول أعمق في الساحل وغرب إفريقيا. فالورقة تنظر بالفعل إلى مالي كدولة تواجه تمدد الجماعات المسلحة فقط، وكبلد انتقل من شراكة فرنسية إلى شراكة روسية ، لكنها تنظر إليها أيضا بوصفها عقدة تتقاطع داخلها خرائط متعددة - محلية وإقليمية ودولية - تجعل احتواء الأزمة أكثر تعقيدا من أي وقت سابق.
تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة المالية - رغم جذورها الداخلية العميقة - لم تعد قابلة للفهم داخل حدودها الوطنية وحدها. فقد أدى ضعف الدولة في الأطراف وتآكل الثقة بين باماكو والشمال وتعثر مسارات التسوية واتساع الاقتصاد غير النظامي وصعود جماعات مسلحة قادرة على الجمع بين العنف والجباية والتحكم في التنقل، إلى خلق قابلية عالية للتدخل والتوظيف الخارجي. غير أن الورقة تتحاشى التفسير التآمري السهل، وتؤكد أن الخارج لم يصنع الأزمة من العدم، لكنه وجد في هشاشة الدولة المالية مادة قابلة للاستثمار وإعادة الإدماج ضمن صراعات أوسع.
وتبيّن الورقة أن أولى طبقات هذه العقدة تتمثل في صراع نموذج الشراكة الأمنية بعد تراجع فرنسا وصعود روسيا. فقد أنهى خروج القوات الفرنسية من مالي ثم انسحاب بعثة الأمم المتحدة، مرحلة كاملة من المقاربة الأمنية التي قامت على الحضور الغربي والدعم الأممي والتنسيق الإقليمي. وفي الفراغ الذي تلا ذلك، تقدمت روسيا عبر فاغنر ثم عبر الفيلق الإفريقي، حاملة خطابا سياديا وعد بملء الفراغ الغربي واستعادة القرار الوطني والحسم الميداني. غير أن تطورات الميدان أظهرت اتساع الفجوة بين الوعد والنتيجة، إذ بقيت الجماعات المسلحة قادرة على المناورة والضغط والاستنزاف، ووجدت السلطة المالية نفسها أمام اختبار صعب يتمثل في حل معضلة تحويل شراكة خارجية قوية الخطاب إلى أمن فعلي على الأرض.
وتناقش الورقة - في طبقتها الثانية - امتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى الساحل، من خلال البعد الأوكراني في شمال مالي، خصوصا بعد معركة تين زواتين في يوليو 2024 وما رافقها من حديث عن دور معلوماتي أو تقني أوكراني محتمل في إرباك الوجود الروسي. وتتعامل الورقة مع هذا البعد بحذر، فلا تضخمه إلى مستوى تفسير الأزمة، ولا تتجاهله بوصفه مجرد شائعة. فوجود قوات روسية أو تشكيلات مرتبطة بموسكو داخل مالي جعل البلاد قابلة لأن ينظر إليها من طرف خصوم روسيا كساحة ضغط جانبية، حيث تتحول خسارة قافلة في صحراء مالية إلى واقعة محلية وفي نفس الوقت إلى رسالة دبلوماسية ومادة دعائية واختبار لصورة القوة الروسية خارج أوروبا.
أما الطبقة الثالثة فتتناول التنافس الجزائري المغربي على منطقة الساحل؛ فالجزائر تنظر إلى مالي كعمق أمني جنوبي، يرتبط بحدودها وبذاكرة الوساطة في اتفاق الجزائر لعام 2015، كما يرتبط بخشيتها من تمدد الجماعات المسلحة أو تشكل كيانات انفصالية قريبة من مجالها الصحراوي. وفي المقابل، يتعامل المغرب مع الساحل من زاوية مختلفة أساسها المبادرة الأطلسية والربط الاقتصادي وفتح ممرات للدول الحبيسة نحو الواجهة البحرية. ومن هنا لا يبدو التنافس بين الجزائر والمغرب تنافسا مباشرا على مالي وحدها، وإنما تنافسا على الوظيفة الإقليمية للساحل، أهو مجال أمني يحتاج إلى الضبط والوساطة وإدارة الحدود، أم فضاء ربط أطلسي وممرات اقتصادية ومنافذ نحو العمق الإفريقي؟
وتقف الورقة عند صعود تركيا وبعض القوى الخليجية بوصفه طبقة رابعة في المشهد؛ فهذه القوى لا تدخل مالي والساحل بالطريقة التي دخلت بها فرنسا سابقا أو روسيا لاحقا، بل "تتسلل إليها" عبر أدوات أكثر مرونة وأقل ضجيجا مثل: المسيرات، التدريب، الصناعات الدفاعية، التمويل، الاستثمار، ، الغذاء، الطاقة، والوساطات الانتقائية. وتوضح الورقة أن تركيا تقدم نموذج القوة الوسطى التي تدخل من بوابة الدبلوماسية الدفاعية والتقنية العسكرية، بينما يحضر الخليج في الخلفية البنيوية للأزمة عبر التمويل والمشاريع والأمن الغذائي والاستثمار والمنافذ الاقتصادية. وهنا يتحول الساحل إلى سوق للأمن والنفوذ، حيث تحصل الأنظمة المأزومة على أدوات متفرقة من شركاء متعددين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة بناء استراتيجية وطنية متماسكة.
وتخصص الورقة محورا أساسيا للفاعلين المحليين، حتى لا تسقط في قراءة تختزل مالي في خرائط الخارج فقط. فالجماعات المسلحة، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تجاوزت العمل بمنطق الغارة العسكرية وحده، حيث باتت تستهدف الطرق ومحاور النقل وقوافل الوقود والأسواق الأسبوعية وحتى المراكز السكانية، في محاولة لخنق الدولة من خلال اقتصادها اليومي ومجالات حركتها. كما أن الحركات الأزوادية، بحكم خبرتها الطويلة بالأرض والحدود والوساطات، تدرك كيف يمكن أن يؤدي استهداف القوات المالية وحلفائها الروس إلى رفع قيمة عملياتها وإعادة فتح سؤال الشمال. وتبرز الورقة هنا فكرة مركزية مفادها أن الخارج يستثمر الهشاشة المالية، فيما تحاول القوى المالية بدورها توظيف الخارج في صراعاتها الداخلية وحساباتها السياسية والأمنية.
وتوضح الورقة أن العقدة المالية تنتج مجموعة من الآثار المركبة؛ فهي تجعل التسوية أكثر تعقيدا، لأن أي مسار سياسي داخلي يصطدم بحسابات الجزائر وروسيا والجماعات المسلحة والحركات الأزوادية والسلطة الانتقالية نفسها. كما تجعل الحسم العسكري أكثر صعوبة، لأن الخصوم المحليين لا يحتاجون إلى السيطرة الدائمة على المدن كي يضعفوا الدولة، بل يكفيهم ضرب القوافل وقطع الطرق واستهداف المواقع الحساسة وفرض الجباية، وإرباك الحركة حول المراكز الحيوية. وتؤدي العقدة أيضا إلى تعدد الروايات حول الأزمة، حيث تقدم باماكو الصراع بوصفه معركة سيادة، وتقرأه روسيا بوصفه اختبارا لحضورها الإفريقي، وتنظر إليه الجزائر من زاوية الحدود، والمغرب من زاوية الربط الأطلسي، والجماعات المسلحة من زاوية عجز الدولة.
وتمنح الورقة اهتماما خاصا لدلالات هذه العقدة على موريتانيا والمغرب العربي والساحل. فبالنسبة إلى موريتانيا، تمثل مالي جارا مضطربا وخاصرة شرقية وجنوبية حساسة في الوقت نفسه، وتضع الدولة الموريتانية أمام اختبار مركب يتعلق بقدرتها على ضبط المجال الحدودي من دون تحويله إلى جبهة مفتوحة، وحماية المجال الوطني من دون الانجرار إلى منطق المحاور. وتشدد الورقة على أن التحدي الموريتاني يتجاوز منع انتقال الخطر المسلح، ليشمل تحصين الداخل من منطق الأزمة المالية كما قد يتسرب عبر الخوف والشائعة والاقتصاد الحدودي وحركة اللاجئين والتأويلات الخارجية للمناطق الطرفية.
وتخلص الورقة إلى أن مالي أصبحت مرآة للنظام الإقليمي المتشظي؛ فهي تكشف حدود الشراكات الأمنية حين تحل محل بناء الدولة، وحدود القوة العسكرية حين تنفصل عن التسوية السياسية، وحدود خطاب السيادة حين لا يتحول إلى حضور إداري وأمني وخدماتي في الأرض. كما تكشف ضعف الأطر الإقليمية في تحويل الخطر المشترك إلى مقاربة مشتركة، سواء تعلق الأمر بالمغرب العربي المعطل، أو بالإيكواس التي فقدت جزءا من قدرتها على احتواء دول الساحل، أو بالاتحاد الإفريقي الذي بقي حضوره محدودا أمام وقائع الميدان.
وتنتهي الورقة إلى أن اللحظة المالية الراهنة تستمد خطورتها من أمر يتجاوز اتساع العنف داخل البلاد، إذ ترتبط بتحول الهشاشة إلى مورد استراتيجي لفاعلين متعددين. فحين تكتسب الدولة الضعيفة قيمة لدى الآخرين بسبب موقعها وفراغها وحدودها وشركائها وخصومها، تصبح استعادة استقرارها مهمة أعقد من عملية عسكرية أو وساطة ظرفية، وتغدو مرتبطة باستعادة قدرة الدولة على فهم أزمتها من داخلها، وضبط شروط تدخل الشركاء، وتحويل العلاقات الخارجية إلى أدوات تعزز السيادة وتخدمها. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى مالي عقدة مفتوحة في قلب الساحل، وستظل ارتداداتها اختبارا مباشرا لموريتانيا وللمغرب العربي ولغرب إفريقيا، ولقدرة المنطقة على منع أزماتها الداخلية من التحول إلى مشاريع نفوذ متعارضة في أيدي الآخرين.
مركز آوداغسوت للدراسات الاقليمية






