تعتبر مدينة كيفة قلب ولاية لعصابة النابض، غير أن الزائر لأسواقها والمارّ بواحات نخيلها يدرك حجم المأساة البيئية التي باتت تهدد هذه المعالم. إن تراكم الأوساخ في هذه النقاط الحساسة لم يعد مجرد تشويه للمنظر العام، بل أصبح خطراً يهدد الصحة العامة والتوازن البيئي.
أولاً: أسواق كيفة.. مراكز اقتصادية تحت الحصار
في سوق كيفة المركزي، حيث تزدحم الحركة التجارية، تتراكم بقايا البضائع والمواد البلاستيكية والنفايات العضوية بشكل يثير القلق.
غياب التنظيم: يؤدي الاكتظاظ العشوائي إلى صعوبة وصول شاحنات البلدية لنقاط التجميع داخل السوق.
المسؤولية التجارية: يساهم بعض التجار والباعة بشكل مباشر في تفاقم الأزمة عبر رمي المخلفات أمام المحلات وفي الممرات الضيقة، مما يحول السوق في نهاية اليوم إلى ما يشبه المكب المفتوح.
ثانياً: واحات النخيل.. استغاثة الطبيعة
ربما يكون المشهد الأكثر إيلاماً هو وصول النفايات إلى واحات النخيل. هذه الواحات التي تمثل ثروة طبيعية ومكاناً للاستجمام (الگيطنة)، باتت تعاني من:
تراكم المواد البلاستيكية: الرياح تحمل الأكياس البلاستيكية لتعلق بجذوع النخيل، مما يمنع تنفس التربة ويشوه طبيعة الواحة.
الرمي العشوائي: تحولت أطراف بعض الواحات إلى مكبات غير قانونية للقمامة المنزلية، مما يهدد المياه الجوفية التي تسقي هذه الأشجار المباركة.
ثالثاً: جهود البلدية.. محاولات في بحر من التحديات
لا يمكن إنكار أن بلدية كيفة تحاول جاهدة مواجهة هذا المد من الأوساخ، حيث نلاحظ:
حملات التطهير: تركيز الجهود على تنظيف الشوارع الرئيسية ومحيط الأسواق بصفة دورية.
التنسيق مع الفاعلين: محاولات إشراك الروابط التجارية في تنظيف محيطها.
لكن، تبقى هذه الجهود "موسمية" أو "محدودة" أمام حجم النفايات اليومي الهائل، ونقص الوسائل اللوجستية الكافية لتغطية الأحياء والواحات البعيدة عن المركز.
رابعاً: هل المواطن هو المسؤول الأول؟
بكل صراحة، يتحمل المواطن القسط الأكبر من المسؤولية في هذا المشهد. فبينما نطالب البلدية بالعمل، نجد أن:
المواطن في السوق: لا يتردد في رمي مخلفاته في أقرب زاوية بدلاً من البحث عن حاوية.
المواطن في الواحة: يترك بقايا نزهته خلفه دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه الطبيعة.
هذا "التقصير السلوكي" يجعل أي جهد تقوم به السلطات يذهب سدى في ساعات قليلة.
نداء للإنقاذ
إن إنقاذ أسواق كيفة وواحاتها يتطلب "ثورة وعي" تبدأ من المواطن نفسه:
للتجار: نظافة محيط محلك هي جزء من جودة تجارتك.
للساكنة: واحات النخيل هي إرث الأجداد، فلا تقتلوها بالبلاستيك والنفايات.
للبلدية: الحاجة ماسة لخطط تنظيف استثنائية تستهدف الواحات والأسواق بشكل خاص ودائم، مع فرض غرامات على المخالفين.
خاتمة:
ستظل كيفة جميلة بأهلها وتاريخها، لكن جمالها الحقيقي لن يكتمل إلا بشوارع نظيفة، وأسواق منظمة، وواحات نخيل خضراء خالية من دنس النفايات. فالنظافة ليست وظيفة حكومية فحسب، بل هي واجب ديني وأخلاقي تجاه المدينة التي نعيش فيها.
دعوة لإنقاذ مدينة كيفه/ أبي بدين آمين







