قد يبدو التعديل الجزئي الجديد، حركة مألوفة أو شبه مألوفة داخل جهازنا التنفيذي، غير أنه في جوهره يكشف أزمة أعمق من مجرد تبديل محدود في الحقائب. فما جرى اليوم يؤكد بأن السلطة ما تزال تدير الحكومة بعقل التوازنات العرقية والقبلية أكثر مما تديرها بعقل الدولة، وما تزال تلجأ إلى الترميم السياسي حين تهتز بعض الزوايا، بدل أن تتجه إلى إصلاح حقيقي يبعث برسالة تغيير واضحة إلى الرأي العام.
فخروج وزيرين شابين من قبيلتين مختلفتين، ودخول وزيرين سابقين من القبيلتين نفسيهما، لا يترك مجالا واسعا للأوهام، حيث أن الرسالة هنا شديدة الوضوح متمثلة بشكل جلي في أن القبيلة ما تزال حاضرة في صلب المعادلة الحكومية، وأن إعادة التدوير ما تزال أقوى من منطق التجديد الذي تتطلع إليه قطاعات عريضة من الرأي العام، وأن السلطة بالتالي ما تزال تفضل سلامة التوازنات على صرامة المعايير.
ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى التعديل خارج الحديث المتصاعد عن خلاف بين الوزير الأول وأحد الوزيرين المقالين، كما يصعب عزله عن الهجوم الذي تعرض له ولد اجاي أخيرا من بعض أجنحة النظام تحت ستار التشدد الضريبي. لذلك يبدو ما حدث أقرب إلى عملية إنقاذ سياسي مزدوجة الوظيفة تسعى من جهة إلى فرض مزيد من الانضباط داخل الحكومة، ومن جهة أخرى إلى توجيه إشارة من قصر الرئاسة إلى أن الوزير الأول ما يزال محميا بثقة رئيس الجمهورية.
لكن المشكلة تكمن في أن هذا النوع من الرسائل، مهما كان مفهوما داخل دوائر السلطة التي تتصارع في حدود المتاح، لا يقنع الرأي العام بأن الحكومة جادة بالفعل في التحرك وفق مقتضيات النجاعة والشفافية كما دأبت على التعهد بذلك في برامجها وخططها وخطاباتها. ذلك أن هذا النوع من الرسائل يرسخ انطباعا آخر أكثر خطورة، هو أن الدولة ما تزال تنشغل بحماية توازناتها الداخلية أكثر من انشغالها بحماية مصداقياتها أمام المواطنين.
أما الوجه الأكثر قتامة في هذا التعديل، فهو أنه يعيد مرة أخرى فتح باب الوجوه المستهلكة، ويمنح الانطباع بأن النظام لم يغادر بعد خزان الأسماء نفسها، حتى حين تحوم حول بعض رموزه شبهات الفساد وسوء التدبير. وهنا تتضح المفارقة الثقيلة: في الوقت الذي يكثر فيه الحديث الرسمي عن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد، يعود التعديل ليقول عمليا إن هذه المعركة لم تبدأ بعد، أو أنها على الأقل ليست أولوية حين تتعارض مع منطق التوازنات ومحاولات التهدئة.
ولهذا فإن أخطر ما يعبر عنه التعديل الجديد ليس من خرج ومن دخل، وإنما ما كشفه من استمرار التمسك بعقل سياسي قديم، يستبدل الوجوه من حين لآخر ليحافظ على القاعدة نفسها، ويعيد ترتيب المواقع لكن من دون أن يقترب فعلا من منطق الإصلاح. والخلاصة أن ما حصل ليس تعديلا يؤسس لثقة جديدة، وإنما هو حلقة أخرى في مسلسل إقناع من يتمسكون بالأمل بأن التغيير عندنا ما يزال يدور ويدور تحت السقف نفسه، مهما تغيرت الأسماء.
وكالة كيفه للأنباء






