من أقبح المظاهر المعاصرة أن يُصوَّر المحتاج لحظة استلامه المعونة، فيتحول فقره إلى مادة عرض، وحاجته إلى مشهد دعائي. العطاء الحقيقي سترٌ وجبر، لا كشفٌ وتشهير. فالحاجة ابتلاء يُصان، لا فرصة تُستثمر.
ويشتد القبح إذا صدر ذلك من جهاتٍ رسمية نُجِلُّها لما تقوم به من خدمات؛ فالمال العام حقٌّ للمواطن، لا مِنَّة فيه لأحد، والواجب صيانة كرامته لا تسليط الكاميرات على ضعفه. التوثيق يكون بالأرقام والتقارير، لا بوجوه المنكسرين.
ثم إن تصوير المحتاجين في لحظة انكسارهم يُنتج رسائل عكسية خطيرة؛ فهو لا يُظهر قوة الإنجاز بقدر ما يوثق خللًا في العدالة الاجتماعية، ويكشف اختلالًا في توزيع الثروة، ويُذكّر بفشل النظم المتعاقبة في بناء الكفاية والتمكين. فبدل أن يكون المشهد شهادة نجاح، يصير وثيقة عجز.
أما تبريرات “الشفافية” و“تحفيز المتبرعين” فهي واهية؛ إذ لا شفافية في فضح الناس، ولا تحفيز في إيذائهم. وما يفعله بعض المشاهير لونٌ من استثمار الألم، يُعطي بيدٍ ويجمع بالصورة أضعاف ما أعطى.
قال تعالى: {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}، وأيُّ أذى أعظم من نشر لحظة الانكسار على الملأ؟
فلنحفظ للناس كرامتهم، ولنجعل الإحسان سترًا لا استعراضًا، ورحمةً لا دعاية.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي
تصوير المحتاجين… امتهانٌ لكرامتهم باسم العطاء/ محمد الصحه






