ائتلاف التناوب الديمقراطي 2029 خطوة نحو بناء البديل الديمقراط(رأي)

يتأسس “ائتلاف التناوب الديمقراطي 2029” في لحظة يتعامل فيها جزء متزايد من الرأي العام مع السياسة بوصفها خطابًا يكثر فيه القول ويقل فيه المنجز، ومن ثم يصبح الامتحان الحقيقي لأية مبادرة هو قدرتها على إقناع الجماهير بأن الفعل السياسي يمكن أن يعود أداة لتحسين ظروف الحياة وتطوير أداء الإدارة وحماية القانون من أن يظل مجرد شعار. وتنبع أهمية هذا القطب السياسي الجديد من زاوية تتجاوز لحظة الإعلان إلى وظيفته المحتملة، لأنه يطرح نفسه كإطار لبناء قوة معارضة منظمة تتقدم نحو استحقاقات 2029 باعتبارها مسارًا تراكميًا يتمحور حول الثقة والتنظيم والتعبئة وحراسة شروط المنافسة، بما يسمح بنقل المعارضة من دائرة توصيف الاختلالات وتسجيل المواقف إلى دائرة إنتاج بديل ديمقراطي ذي مصداقية.

يعلن الائتلاف هدفًا مركزيًا يتمثل في تحقيق تناوب ديمقراطي سلمي في رئاسيات 2029 عبر توحيد القوى الديمقراطية داخل إطار تشاوري، غير أن القيمة السياسية لهذا الهدف لا تستمد من وضوحه وحده، بل أيضًا من أنه يفرض سؤال الأدوات منذ البداية. فالتجربة المقارنة تشير إلى أن التناوب يحدث عندما تتحول المعارضة إلى كتلة قابلة للتنسيق الداخلي، تملك سردية مشتركة مفهومة لدى الجماهير، وتبني شبكات محلية قادرة على التعبئة، وتدير الخلافات داخلها بميثاق يقدم المهام على الصراعات، ويجعل الزمن موردًا للعمل. ومن هنا يضع هذا القطب نفسه أمام اختبار جديته متمثلًا في إنتاج بنية تنظيمية قادرة على تحويل التعدد السياسي والحقوقي والمدني إلى قوة تغيير محسوسة، وتقديم تصور عمل يترجم الهدف الرئيسي إلى مراحل واضحة قابلة للمتابعة.

ويرتبط الهدف الثاني للقطب بإعادة إدخال منطق المحاسبة إلى قلب تصور السلطة؛ فالتناوب – في جوهره المؤسسي – يغير سلوك الحاكم قبل أن يغير اسمه، لأنه يضع أداء الحكام تحت رقابة أفقية من المجتمع عبر احتمال التداول، ويعيد تعريف المسؤولية باعتبارها وظيفة مؤقتة يمكن – بل يجب – أن تنتهي عبر صناديق الاقتراع. وعندما تصبح هذه القاعدة مقبولة اجتماعيًا وتتحول إلى أفق واقعي، يتبدل نمط أداء الإدارة ويضعف منطق الحصانة السياسية، وتصبح كلفة الفساد غالية، لأن الفساد يعيش من الاطمئنان إلى دوام النفوذ أكثر مما يعيش من حيلة فردية عابرة. بهذا المعنى، يقدم القطب نفسه كمحاولة لإعادة بناء فكرة الدولة التي تخضع سلطتها للتقييم، وتستمد شرعيتها من رضا المواطنين وليس من قدرة الأجهزة السياسية والأمنية على ضبط المجال العام.

ويتصل الهدف الثالث بترجمة السياسة إلى التزام اجتماعي قابل للفهم والمساءلة؛ ذلك أن قاعدة أي مشروع للتغيير لا يمكنها أن تتوسع من دون أن يشعر المواطنون بأن لغة القائمين عليه تمس الواقع الذي يعيشونه من غلاء وبطالة وهشاشة تعليم وتدهور خدمات صحية وتعقيد إداري. غير أن تحويل هذه المطالب إلى سياسة يقتضي بناء برنامج حد أدنى يحدد أولويات قابلة للتنفيذ والتدرج ويضع مكافحة الفساد في موقعها البنيوي بوصفها شرطًا لتحرير الموارد وتقويم قواعد توزيع الفرص داخل الدولة، لأن الفساد في النهاية ليس مفهومًا أخلاقيًا مجردًا وإنما هو نظام يرفع الأسعار ويخفض جودة الخدمة ويجعل الوظيفة العامة مجالًا للابتزاز. وعندما ينجح القطب في تقديم هذا الالتزام الاجتماعي بصياغة واقعية فإنه سيفتح الطريق أمام علاقة جديدة بين الديمقراطية والواقع اليومي المعيش بحيث تصبح الانتخابات لحظة اختيار بين برامج وإمكانات لا بين ولاءات وانفعالات.

ويبرز هدف رابع يتعلق بالوحدة الوطنية بوصفها شرطًا سياسيًا لنجاح أي انتقال ديمقراطي، حيث إن المجتمعات التي يتداخل فيها التاريخ بالهوية تدرك أن التغيير قد يتحول إلى مصدر قلق إذا افتقد خطابًا جامعًا يرفع معيار المواطنة فوق معايير العصبيات، ويحول الاختلاف إلى مجال تدافع سلمي داخل القانون بدل أن يتركه رهينة لمنطق الاستقطاب. لذلك تتحدد قيمة هذا القطب بقدرته على إنتاج خطاب يربط العدالة بالمشترك الوطني، ويقنع الفئات المتوجسة بأن الدولة العادلة تتسع للجميع لأنها تقوم على قواعد مشتركة، وأن إعادة بناء الثقة لا تمر عبر استثمار الأمراض المجتمعية ولا عبر إنكارها، وإنما عبر إدخالها في أفق إصلاحي يقدم العدالة بوصفها ضمانة للاستقرار الاجتماعي.

وتتصل بهذه الوظيفة أخرى خامسة تمس الاتصال السياسي في صلبه تتمثل في محاصرة الخوف العام من التغيير عبر تقديم ضمانات مطمئنة وذات مصداقية. فالمجتمع لا يتردد أمام فكرة التناوب بسبب نقص الرغبة في الإصلاح، لكنه يتردد عندما يتوقع أن انتقال السلطة سيولد اضطرابًا يهدد الأمن أو يفتح باب التصفيات. ولذلك يحتاج القطب إلى خطاب يوازن بين مطلب الإصلاح وحفظ الاستقرار عبر قواعد واضحة تشمل احترام مؤسسات الدولة، وتثبيت مهنية الإدارة، وحماية الأمن العام، وصياغة المحاسبة في إطار القانون. وستتحول هذه الطمأنة إلى قوة سياسية عندما تترجم إلى سلوك تنظيمي منضبط وإلى تعهدات محددة وإلى لغة تحترم عقل الجمهور، لأن الرسالة وحدها لا تكفي ما لم تسندها بنية موثوقة.

ويبقى معيار النجاح الحقيقي في تحويل الفترة الفاصلة مع استحقاقات 2029 إلى زمن إنتاج يقطع مع الانتظارية القاتلة. ويمكن لذلك أن يتحقق عبر بناء شبكات ميدانية دائمة وتوسيع المشاركة داخل القطب بما يجعل الشباب والنساء والعمال جزءًا من الهيكل، وتكوين أدوات رصد انتخابي مبكرة تتعامل مع العملية الانتخابية باعتبارها مسارًا طويلًا يبدأ من التسجيل والرقابة ويستمر إلى إدارة الحملة وحماية الصوت، مع بناء قدرة قانونية وإعلامية تشرح للناس حقوقهم وتكشف الخروقات وتقلل كلفة التلاعب. وفي هذا كله تتضح وظيفة الائتلاف بوصفه مدرسة تنظيمية بقدر ما هو منصة سياسية، لأن الديمقراطية في البيئات الهشة تضعف حين يبقى المواطن منفردًا أمام ماكينة النفوذ، وتستعيد عافيتها حين يتحول الفرد إلى جزء من شبكة حماية مدنية سلمية.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى “ائتلاف التناوب الديمقراطي 2029” باعتباره رهانًا على إعادة بناء الثقة في السياسة عبر ثلاث طبقات متداخلة: طبقة تنظيمية تنقل المعارضة إلى مستوى الكتلة القادرة على التراكم، وطبقة اجتماعية تربط التناوب بمطالب الجماهير اليومية، وطبقة وطنية تعيد تعريف الوحدة على قاعدة الإنصاف وسيادة القانون. وكلما نجح القطب في تقديم نفسه كأداة عمل، وكقدرة على إنتاج بديل واقعي، ازدادت فرصه في أن يجعل من 2029 لحظة تناوب سلمي تسمو بالدولة وتعيد الاعتبار للمواطن بوصفه مصدر الشرعية ومعيار الأداء.

عبد الرحمن ولد حمودي
رئيس حزب موريتانيا قوية

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.