في ذكرى حبيب ولد محفوظ/صيدو كان — مؤرّخ في المنفى

المرحوم حبيب ولد محفوظ

حبيب، كنتَ تُريني — مرة أخرى في بيتك — آخر ما اقتنيت من كافانا: «وصار القرد أحمقًا». وما زلت أتذكر يومنا الأخير في مهمة التفتيش بثانوية اعيون العتروس سنة 1984، مع ديوب الحاج سليمان والعربي ولد محمد محمود.

حبيب، أنت! تتقدم محمد ناصرو آتي، وتدخل ذلك المكتب الصغير الذي كنت أشغله في «كاريتاس موريتانيا»، تحت رعاية الأب لوفور. كنت تلقي نظرة جانبية، فيها شيء من السخرية، على تقرير المهمة الذي كنت في طور إنهائه حول مخاطر المجاعة التي تهدد الموريتانيين المرحّلين من السنغال. أنا الناجي من ولاته، ومن معتقل لعيون حيث قرأتُ للمرة الأولى «الموريتانيديات»، يوم كانت عائلاتنا لا تزال قادرة على زيارتنا. ماذا قلت لي حينها؟ أتتذكر يا صديقي؟

سأكون أنا أول من يجرؤ على مواجهة تلك الذكرى الكثيفة التي تغطي، بطبقة لا تخترق، الخيوط غير المرئية التي تربط عائلتي بأولاد ديمان، والتي تشبك مصائرنا. لقد أخضعنا القدر إلى مائدته القاسية: جيلٌ حُصِدَ عند مذبح الكراهية والجشع.

وأيُّ شيءٍ لم نترك من دمنا عند أهل العاقل، أحفاد سيدنا مودي مالك، دون أن يكون لنا من ذلك سوى أن نُجبر — مرة بعد مرة — على إطفاء النار التي أوقدها أعداء الكرامة الإنسانية؟ وأيُّ شيءٍ لم نتقاسمه، معًا، بين عائلاتكم وعائلاتنا، من المدن المقدسة والعتيقة الممتدة في فضاء «اترارزه» – «ديمار» – «والو»: حدائق «أمندور» التي كثيرًا ما كانت تُحرَق، واندير «شجرة أولاد محمد» ذلك البطن من أهل عمر فال، و«تندكسمي» (تولدي سمّي) حيث عاش معنا أهل ادكشمة من أولاد أبيري، وتلك المساجد السبعة التي عهدنا بها إلى أهل حمَّينَّه. تلك المواطن التي اختلطت فيها الأرض بالدم، ورضعنا فيها حليب الأمهات، فصار تاريخنا جزءًا من دمنا نفسه.

نعم يا حبيب، تلك هي الأرض التي أنشد فيها محمد بن أحمد العاقل قوله: «ديّار الديماني». ونعم يا حبيب، تلك أرض امحمد ولد أحمد يُورة التي كنت تريد أن ترويها، وتحكي حقيقتها كاملة من جديد. أن تكون شاعرًا، حارسا للذاكرة، منشّدًا، لتعيد قول كل ذلك مرة أخرى.

ومع ذلك فإن تنيشكل وآوليك والمذرذرة تسمع أصداء الأخوة في الدم التي تجمعنا، والصداقة التي نتقاسمها مع كل من يعرف أن بلدنا الجميل جدًّا والغني جدًّا، بسلسلة الموريتانيد وهضبتها، بعموده الفقري، بغليانه الفكري، كان ولا يزال — والحمد لله — قادرًا على إنجاب العظماء.

ولديك أنت، أكثر من غيرك، يظهر رغاء جمل التندغي، وسحوة الديماني، «اليوم الذي مات فيه مئة أعمر وتواجه ألف جمل» (Eebol Amar hamme JulDo)، البولاري الذي كنت ممتلئًا منه. نعم، صديقي، أقولها، وهذا ما تعرفه موريتانيا الأعماق كلّها.

ومن ذلك المكتب، قلتُ لك، كنت تبدو وكأنك تكاد تودع رسالتك، سرًّا، حول موضوع: «العرب والأفارقة السود: فشل زواجٍ عقلاني». وكان آتيه يتململ شوقًا لرؤيتك تختم بنبرة المزاح الخفيف بقول ماركس: «التاريخ هو العلم الاستراتيجي الأول، ولذلك فإن من يسيطر عليه ينكر دائمًا تاريخ الآخرين».

ثم أخذتَ القلم لتكتب تاريخًا لا يستطيع الذين يجيئون بعدك أن يكتبوه إن كانوا يملكون البلاغة وحدها؛ بل هو تاريخ لا يكتبه إلا الرجال بالمعنى الكامل للكلمة: الرجال الذين يحملون إرث آبائهم، ويقدرون على أن يُظهروا للعالم ما يستطيع هذا الشعب أن يصنعه من جمال. إنها قصة شعب فخور، واعٍ بغناه.

وعدٌ قُطِع، وتمّ إنجازه. والدليل أنّك كتبتَ كلّ ذلك في العدد الـ 23 من «موريتانيا الغد»، وذكَّرتَ فيه، بقوة، بـ «116 سنة من المقاومة ضدّ الأوروبيين في فوتا» . أنت، يا المذرذرة «الشجرة التي تهتز ولا تسقط». ولست أنا من ابتكر هذا الوصف. ولا حتى أگدرنيت، تلك الشجرة التي تركتها لإيداب لحسن.

انتهى حديثك مع آتي، وتلاقت نظراتكما، وكنتما على وشك أن تراجعا تلك القناعة القديمة: أن الوقت كان دائمًا يكفي لننجز ما ينبغي إنجازه على الوجه الحسن. ثم التفتَّ إليّ وقلت متحديًا: «هل سيكون لديك الوقت لنشر هذا النص (الأمة المعنية) في موريتانيا الغد؟».

وقد نُشر فعلًا في العدد الـ #33 من «موريتانيا الغد» سنة 1991. وكان العدد حكاية كاملة: حكايتك، وحكاية ولد عمير، وحكاية هندو. صدر ذلك العدد في اليوم الذي أُعلن فيه عن تأسيس «البيان». كان غالي ولد عبد الحميد في الممر، بينما كنتَ تبحث عن كلمات قادمة من وراء البحر لتشرح موريتانيا للذين لا يعرفونها.

حبيب، يا صديقي، قل لي لماذا، حين أمسكت بالقلم المكسور، عدت إلى «القلم» نفسه، إلى الكلمة ذاتها، الكلمة المؤسِّسة، وتركتنا وحدنا نحاول أن نخمّن ما كانت تلك الكلمة تُخفيه. لا، لن نعرف ذلك أبدًا. تلك كانت العطيّة التي أودعت فيك ولا يملكها غيرك.

كأن العناية قد أوكلت إليك أن ترافق قافلتنا حتى تلك المحطة التي تُستعاد فيها الآمال. لا، لم تكن زائدًا. أنت هنا. أنا أراك. لم ترحل. الآن أعرف أنك لن تغادرنا بعد اليوم. أنت لم تفعل سوى رفع الستار قليلًا عن عجزنا، نحن الذين أنهكتهم المواهب المستنزَفة، وتلتهم أمزجتهم الطاقات الخلّاقة. نعم، أنت هنا، إلى الأبد، معنا.

كنت لا تحتمل، على طريقة عمر الخيّام، العالمَ الذي يتملّق الأمراء، ولا الأمراءَ الذين يحرمون أنفسهم من العلماء.

دعوني أنا أيضًا: أيها الأصدقاء، أيها الإخوة، يا رفاق هذه الأرض، أصرخ حزني، وألمي، وعجزي الذي لا حيلة له أمام رحيل حبيب.

حبيب! قل لنا لماذا الآن؟ لقد سألتُ السؤال نفسه لشاب آخر، كيبي موسى، الذي رحل في ربيع العمر. لماذا ترحلون هكذا، مبكّرين، مسرعين، قبل أن نُعلن في حضرة أسلافنا ذلك النصر الذي يحمل أسماءكم؟

صيدو كان — مؤرّخ في المنفى
(القلم، العدد 333

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.