هنيئا للمفسدين
لا يحتاج الموريتانيون بالطبع إلى من يذكرهم بأن الفساد قد أصبح نظاما قائما بذاته يحكم المجتمع والسلطة قبل أن يحيل الدولة ذاتها إلى هيكل منخور تتقاذفه الحكومات الفاشلة لتحيل مختلف مؤسساته ومرافقه إلى أوكار لإنتاج الفشل والرداءة وإعادة إنتاجها. غير أن نشر تقرير محكمة الحسابات الأخير – التي طالما قصرت وأخلت وتواطأت...- يكشف ولو جزء يسيرا من فداحة الانهيار الأخلاقي الذي اجتاح بيروقراطيتنا الموبوءة، وخصوصا من عمق أزمة الضمير لدى مسؤولينا وغياب الاحساس لديهم بالمسؤولية والواجب.
ففي قطاعات يفترض أن تكون قلب الجهد التنموي، كالبترول والطاقة والبنية التحتية والصحة، تكشف الوثائق عن عبث يومي بأموال الأمة؛ تراخيص تمنح من دون احترام للمساطر، تقارير لا تنجز أو تأتي ناقصة، مشروعات تصرف تمويلاتها كاملة من دون أي اثر، وصفقات يتم تفصيلها على المقاس لمحاباة الأقارب والنافذين، موارد صندوق كهربة الأرياف تبذر على الورق بينما تغرق القرى في الظلام. مشهد واحد تجده أين ما يممت وجهك: فساد وسوء تسيير ونهب ونزيف وانعدام للرقابة والمحاسبة!
ولعل أخطر ما في التقرير ليس تعدد المخالفات ولا جسامتها وإنما استهانة المسيرين بها وتهاون من يفترض فيهم السهر على حماية الممتلكات العامة والمصالح العليا للبلاد! فالاختلاس والتحايل والتزوير لم يعد أي منهم يثير شبهة أحرى صدمة، ومؤسسات الدولة تتعامل مع المال العام كما يتعامل المرء مع ملك شخصي. ولأن العقوبة غابت، فقد ترسخ الشعور بأن الفساد لا يكلف شيئا، وأن المنصب العمومي هو مكافأة على القرابة أو التطبيل أو النميمة، كما أنه فرصة ينبغي اغتنامها قبل زوالها.
في المقابل، يعيش المواطن العادي مأساة يومية لا يبدو أن هناك في الدوائر العليا للسلطة من سمع بها: طرق متآكلة، مستشفيات عاجزة، مدارس مكتظة، أسعار فوق القدرة على التحمل، وضرائب تجبى ليتم هدرها في صفقات عبثية. والهوة تتسع يوما بعد يوم بين عالم المترفين الجدد الذين كونوا ثرواتهم من المال العام، وبين ملايين الموريتانيين الذين يعانون من الفقر، وهي هوة أخلاقية بالمقام الأول قبل أن تكون اقتصادية، تكرس اضطهاد حفنة من اللصوص للطبقات الشعبية العريضة وتعطل بالتالي أي أمل في إمكانية النهوض القريب من واقع التخلف والدوران في حلقته المفرغة.
لقد أزاح تقرير المحكمة الغطاء عن واقع لم يعد بالإمكان تجميله، غير أن المفارقة تتمثل في الصمت المطبق الذي التزمته السلطة تجاهه وكأنها طبعت بالكامل مع الفساد وتكيفت مع رجالاته وأساليبه ونتائجه الكارثية! لا إدانة ولا إقالات ولا حتى وعودا باتخاذ إجراءات صارمة تتجاوز التعهدات السابقة والضرب بأياد من حديد، بل ان تاكيدها على ذلك الاتجاه قد ترسخ لدى الراي العام من خلال الحديث الصادم لرئيس المحكمة في مؤتمره الصحفي وهو ما يعني أننا للأسف قد سقطنا في المستنقع الآسن ولم نعد قادرين حتى على رفع أصواتنا بالاستنكار والاستهجان! فهنيئا للمفسدين ولشبكات الفساد على الانتصار في الجولة الراهنة ولنا موعد في جولات قادمة، حين تهترئ الأقنعة وتشتعل شرارة الغضب ويحين وقت الحساب لمن ظن أنه أقدر من غيره على الإفلات من العقاب.
وكالة كيفه للأنباء






