لم يعد الفساد في مؤسسات الدولة مجرد انحراف أو خلل في التسيير، بل تحوّل إلى منظومة متجذرة تنخر أسس الدولة من الداخل. إنه اليوم خطر وجودي، يمارس هيمنته من خلف الستار، ويخترق دوائر القرار السيادي، ويتغذى على تحالفات قبلية ومناطقية ومصالح طبقية، تحميه وتُعيد إنتاجه داخل المؤسسات.
نحن لا نواجه حالات فردية معزولة، بل شبكات منظمة تمارس نوعًا من العصيان المدني المؤسسي، داخل أجهزة الدولة نفسها. تُعطّل القرارات، تُفرغ السياسات من مضمونها، وتُجهض كل محاولة إصلاح قبل أن تولد، عبر مجموعات وظيفية محكمة النفوذ، تتغلغل في مفاصل الإدارة والمالية والرقابة، وتدير اللعبة من وراء الكواليس.
رئيس الجمهورية أعلن صراحة عزمه على محاربة الفساد، واعتبرها معركة مركزية في مشروعه السياسي. هذه ليست مجرد تصريحات عابرة، بل إعلان لمواجهة تُعد الأخطر في تاريخ الدولة الحديثة، لأن العدو فيها متخفٍّ، وموزع، ومحصّن داخل بنية الدولة ذاتها.
إن هذا الإعلان يضع الجميع أمام مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل. فمعركة بهذا الحجم لا يخوضها الرئيس وحده، بل تحتاج إلى التفاف شعبي واسع، وتكاتف قوى المجتمع المدني والنخب الوطنية، من أجل دعم الشرعية الاجتماعية التي تمثل السلاح الأقوى في مواجهة شبكات الفساد.
وهذا يعني، عمليًا، عزل المجموعات الوظيفية التي صنعت نفوذها داخل دوائر القرار المالي والإداري، وقطع أوصال الشبكات التي تحولت إلى دولة ظل داخل الدولة. هذه المعركة لا تُكسب بالخطابات، بل بالإرادة، وبإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، على أساس الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص.
ولا يمكن خوض هذا الصراع بمعزل عن موقف صريح وحازم من المؤسسة العسكرية، باعتبارها الضامن الفعلي لوحدة الدولة واستمرارها. فحين يصبح الفساد تهديدًا وجوديًا، لا يقل خطرًا عن الإرهاب أو التمرد المسلح، فإن مسؤولية حماية الدولة تستدعي موقفًا وطنيًا يُحصّن مسار الإصلاح من الانتكاس أو الاختراق.
نحن أمام لحظة مفصلية: إما أن تنتصر الدولة الوطنية وتفرض هيبتها، أو تترك الساحة لمنظومة فساد تستنزفها حتى الانهيار. إن مواجهة الفساد اليوم لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية وسيادية، لا تحتمل المساومة ولا التراخي.
الأستاذ الفقيه محمد الصحه ديدي






