جاء تقرير محكمة الحسابات في سياق كانت رائحة الفساد تزكم فيه كل الأنوف. ومنذ سنوات طويلة. وفي ظل إفلات جلي من العقاب جعل الأغلبية الساحقة تقتنع أن السياسة الحقيقية للنظام هي التغاضي عن الفساد وتدوير المفسدين. ولحد الساعة ظل خطاب النظام بهذا الخصوص محصوراً في حجة قد لا يقبلها الجميع وهي "هل هناك أدلة فساد تدين هؤلاء الأشخاص". الجديد مع تقرير محكمة الحسابات هو بالذات تقديمها لهذه الأدلة واضعة رئيس الجمهورية أمام امتحان حقيقي.
فبعد خطاباته في الحملة الرئاسية التي قال فيها إنه "لن يكون بيننا من تمتد يده للمال العام"، جاء التصويت على مشاريع قوانين مكافحة الفساد التي حاربتها أغلبيته بشراسة. وبعد ضغوط قوية من البنك الدولي وتدخل مباشر من رئيس الجمهورية اعتمدت هذه القوانين مع اعتراف صريح بضلوع الأغلبية في الفساد وهو اعتراف تمثل في استثناء النواب الحاليين ، والحاليين حصراً ، من واجب التصريح بالممتلكات والمصالح.
قبل هذا التقرير، يتذكر الموريتانيون المفتش العام للدولة قبل ثلاث سنوات يعلن بكل أريحية وفي مؤتمر صحفي اختفاء أربعين مليار من ميزانية الدولة. وقبل ذلك بفترة وجيزة تم الإعلان عن اختفاء 1500 سيارة من مرآبات الحكومة. والآن أصبحنا نتحدث عما يزيد عن 400 مليار. إنها أرقام فلكية بكل المعايير. وهي مبالغ سيتحتم على الأجيال القادمة سدادها لأنها كلها ديون لجهات خارجية.
يقدم تقرير محكمة الحسابات صورة صادمة لجمهورية تحولت إلى ورشة نهب في سماء مفتوحة. نهب تجاوز كل الحدود وكافة الضوابط ووصل مرحلة الابتذال بل الإستفزاز .
- كشف التقرير مثلا، بغض النظر عن مئات المليارات المهدورة ، أن مصالحنا الصحية توزع على مرضى الكبد والسرطان أدوية فاقدة المفعول تماماً وقد اعترف مسؤولو القطاع بذلك حسب التقرير.
- وكشف أن مئات الملايين زعم إنفاقها على أدوية لا وجود لها. أي أنها صفقات وهمية. وأن صندوق كورونا كانت أكبر عملية نهب وتحايل تعرض لها المال العام الموريتاني. وأن قطاع الصحة في السنتين المعنيتين اعتمد على آلية "التفاهم المباشر " في إبرام الصفقات دون أي مبرر سوى سرقة المال العام.
- كما كشف التقرير أن شركة صوملك، وبغض النظر عن رداءة الخدمات وسوء التسيير لا تتقاضى أية حقوق من عشرين ألف مشترك هم بكل تأكيد من النافذين ليس فقط في شكل عائلات ولكن أيضا في شكل مصانع وورش ومعامل. هذا فضلا عن مليارين وأكثر تبخرت من حسابات الشركة.
- وفي البيئة والطاقة تبين أننا في حرب شرسة على الموريتانيين ليس فقط الحاليين بل حتى الذين لم يولدوا بعد: تعامل رديء مع النفايات ، سحب نسقي من صندوق الأجيال، وبدا أن ميزانية إحدى أهم الادارات في القطاعات ذهبت كلها في سفريات المسؤول وإصلاح سياراته.والأخطر أن التقرير كشف أن هذا القطاع لا يتمتع بالموارد البشرية المناسبة . بعبارة أخرى يدار من طرف أشخاص عديمي التكوين والخبرة.
ويمكن تكرار الأمثلة إلى ما لا نهاية من قطاعات أخرى كبناء الطرق والمنشآت وغيرها.
المؤلم هو أن النهب الذي كشف عنه التقرير يعري مشهداً آخر هو مشهد الحكامة وتسيير الشأن العمومي. إذ اعترف التقرير صراحة أن المسؤولين في الغالب الأعم عديمو الخبرة والتكوين ، وذلك بالذات في القطاعات الأكثر حساسية.
والحقيقة هي أن عدم الكفاءة وعدم نظافة اليد ليست مما يرد به في نمط حكامتنا الحالي. والدليل على ذلك أن المسؤولين المشار اليهم في هذا التقرير يحتلون كلهم مناصب أعلى أويسيرون ميزانيات أهم من تلك التي سبق وعبثوا فيها.
ولأول مرة، أثار تقرير المحكمة قرف وصدمة واستياء الموالين قبل المعارضين. وكلاهما يتطلع إلى رئيس الجمهورية وقدرته على تجاوز هذا الامتحان . فبغض النظر عن متابعات قضائية قد يقول إنه لا يتحكم فيها كليا، يبقى أنه الوحيد الذي خوله الدستور سلطة التعيين في كافة وظائف الدولة. فهل سيكون متسقا مع وعوده وسياساته المعلنة ، ويتحاشى انفجارا شعبيا قد يقود اليه هذا النهب الممنهج الذي شهدت به هيئة رسمية دستورية وأحالت تفاصيله إليه؟ أم أنه سيعمد إلى استراتيجيات أخرى وترك العاصفة تمر؟
في كلتا الحالتين ، لن ينظر إلى النظام بعد هذا التقرير كما كان بنظر اليه قبله. فإما أن يظهر قدرة على الاستجابة لتطلعات الرأي العام الذي لن يستوعب أية تفسيرات فنية مهما كانت وجاهتها، وإما أن يقرر حماية الفاسدين ويحتفظ بهم في وظائفهم ويقدم تبريرات فنية لن تقنع أحدا وعندها سنكون دخلنا مرحلة إعلان الفساد سياسة رسمية للدولة بحماية أعلى سلطة فيها وبمشاركة الجميع. وغدا، حين تتحول من السلطة الى طرف جديد ، لن يكون أمام من سن سنة متابعة الرؤساء السابقين خيارات كثيرة، لأنه سيجد نفسه في عين العاصفة وسيكون ألد أعدائه وأكثرهم شراسة وتعديا المستفيدون الحاليون من نهب خيراتنا. نعم. هم أنفسهم.
وكالة كيفة للأنباء






