المال العام بين حماية القانون وتفريغ الردع/ محمد الصحه

مع صدور تقرير محكمة الحسابات الأخير، يتجدد الحديث عن واقع المال العام في موريتانيا، حيث يظهر بوضوح حجم التجاوزات، وسهولة الإفلات من العقاب، بل والأخطر: شرعنة التسوية مع من عبث بالمال العام.

فالقانون الجنائي الموريتاني، بدل أن يحصّن المال العام، يفتح للموظف العمومي بابًا واسعًا لـ"المصالحة" بعد سرقته أو تبديده للمال، فيسقط الردع، وتُقبر المحاسبة، ويُختزل الفساد في مجرد نزاع قابل للتفاوض.

الاختلاس والتبديد – وهما من أخطر صور الفساد – لا يُعاملان كجنايات خطيرة، بل قد يُلحقان بتهم تافهة كـ"سوء التسيير"، طالما أن الجاني كان صاحب صلاحية على المال. ولا يُعدّ الفعل سرقة إلا إذا كان الجاني أجنبيًا عن المال، في مفارقة قانونية تفرّغ الجريمة من مضمونها.

الأخطر أن الموظف السارق لا يُعامل كمجرم، بل كمخطئ يُفتح له باب الصلح. فبمجرد أن "يتعهد" بإعادة بعض المال، تُوقف المتابعة أو تُخفف العقوبة، في منطق يعاكس تمامًا فلسفة الردع الجنائي، ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.

تقرير محكمة الحسابات كشف بالأرقام والوقائع هشاشة منظومة حماية المال العام، لكن المشكلة أعمق من الوقائع: إنها في روح القانون نفسه.
فما لم يُعد النظر في النصوص التي تتيح التسوية مع مختلسي المال العام، وتُمنع بشكل صريح المصالحة في قضايا الفساد المالي، ستبقى منظومة المحاسبة شكلية، ويظل المال العام مشاعًا لمن يملك النفوذ لا من يستحقه.

المال العام ليس ملكًا للحكومة، بل أمانة في رقبة الدولة تجاه شعبها، وأي تهاون في حمايته هو تفريط في سيادة القانون والعدالة.

بقلم الأستاذ الفقيه محمد الصُّحَّة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.