لعبة التعديل الوزاري .. الرئيس الحاكم والمحكوم

التعديلات الوزارية في موريتانيا ليست مجرد حركة روتينية لتغيير وجوه أو ضخ دماء جديدة، بل أقرب إلى رقعة شطرنج متحركة، حيث يُضطر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يلعب أحياناً دور الملك المحاصر أكثر من القائد الحرّ. فكل تعديل وزاري يمر عبر شبكة معقدة من التوازنات: قبلية، جهوية، شرائحية، وأجنحة متصارعة داخل النظام، حتى أصبح المنصب الوزاري أشبه بكعكة توزَّع بعناية لا لإشباع الجوعى بالكفاءة، وإنما لإرضاء اللاعبين الكبار ومن يقفون خلفهم.

بين الشائعات والحقيقة


رغم أن الحديث عن التعديل ظل يتردد منذ أسابيع، إلا أن لحظة التنفيذ لم تأتِ إلا بعد أن تسربت أسماء وزراء نافذين كمرشحين رئاسيين محتملين: وزير الخارجية، وزير الداخلية، مدير الديوان، وحتى الوزير الأول نفسه. الأربعة وجدوا أنفسهم في مرمى التكهنات، فسارعوا إلى نفي " طموح الخلافة"، والتبرؤ من أي حملة انتخابية مبكرة. ومع ذلك، فإن مجرد تداول أسمائهم كان كافياً لتسريع الإيقاع، لأن النظام بات يخشى أن تتحول الشائعة إلى واقع سياسي.

تعديل سياسي بامتياز


التعديل الأخير لا يخلو من الرسائل الواضحة: هو سياسي قبل أن يكون إدارياً. جرى توزيعه وفق ميزان حساس بين القبائل والشرائح والأعراق، وبين مراكز القوة المتنافسة داخل النظام. ولعل أبرز ما يلفت هو إدخال وزيرين من شريحة لحراطين وخروج آخر، في إشارة لا يمكن فصلها عن الصراع القائم مع بيرام الداه اعبيد، الزعيم الأبرز للحراطين والمنافس شبه الوحيد للرئيس الغزواني. وكأن الرسالة: إذا كان بيرام يطرق أبواب الرئاسة باسم الشرائح المهمشة، فإن النظام سيفتح أبوابه عبر استقطاب وجوه من داخل نفس المكوّن.


الترضية طالت أيضاً بيجل ولد حميد، السياسي المخضرم والناقد العلني للرئيس، الذي فجر قنبلة ترشيح وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوگ. ولأن بيجل فتح الباب، فقد دخلت ابنته الوزيرة الجديدة مريم بيجل، في مكافأة سياسية لا تخلو من رمزية، واعتراف ضمني بأن التوازن لا يُصنع فقط داخل القصر، بل على موائد الزعامات السياسية والتقليدية.


الاستحقاق الرئاسي يلوح


التعديل إذن حلقة من مسلسل أطول، عنوانه الانتخابات الرئاسية المقبلة وما سيسبقها من حوار و"تعديلات دستورية" تحتاج إلى غطاء توافقي. هنا يظهر الغزواني كمن يسير على حبل مشدود: يريد أن يحافظ على استقرار البيت الداخلي، وأن يقطع الطريق على خصوم محتملين، وأن يبقى في الوقت نفسه سيد اللعبة، حتى وهو محكوم بقيودها.

أجنحة النظام: شطرنج لا ينتهي


في قلب المشهد صراع الأجنحة:


• الوزير الأول المختار ولد أجاي: يتمتع بدهاء سياسي وسرعة إنجاز، ويستفيد من ثقة الرئيس، لكنه يواجه خصوماً أشداء لا يترددون في كبح اندفاعته. قوته أنه يعرف كيف يستثمر الثغرات، وضعفه أنه ليس وحيداً في الميدان.


• وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين: يملك ورقة نادرة هي ثقة الرئيس المطلقة، لكنه يفتقر إلى النفس السياسي، ويخشـى المواجهات المباشرة، ما يجعله أشبه بالوصي الإداري أكثر من كونه لاعباً صلباً.


أما الرئيس الغزواني، فهو حاكم ومحكوم في آن. يحكم بسلطته، لكنه محكوم بمعادلة معقدة: لا تعديل يمرّ إلا عبر معايير التوازن القبلي والشرائحي والجهوي، قبل الكفاءة والولاء. ومنذ 2019، ظل هذا هو القانون غير المكتوب لكل تغيير وزاري، حتى تعديل الأمس: لا مساس بجناح وزير الداخلية، ولا تقليم نهائي لأظفار ولد أجاي، وإنما تدوير مستمر في لعبة كراسي متحركة.

البيان الرئاسي والواقع السياسي


البيان الرسمي وصف التعديل بأنه "جزئي"، مع تغيير إحدى عشرة حقيبة بينها العدل والشؤون الإسلامية. لكن خلف الصياغة البروتوكولية يختبئ واقع آخر: وزارة العدل مثلاً ذهبت إلى محمد ولد اسويدات، السياسي الطموح الذي لا يخفي حلفه في لبراكنه ولا طموحه في رئاسة الوزراء. أما وزارة الشؤون الإسلامية فكانت مجرد محطة لترتيب أوراق المحاصصة، في حين أن دخول الناها بنت مكناس أو مريم بيجل يعكس مزيجاً من الترضيات والرسائل.


التعديل الوزاري الأخير ليس مجرد مرسوم رئاسي، بل مرآة تعكس طبيعة الحكم في موريتانيا: سلطة تمسك بزمام الدولة، لكنها مضطرة كل مرة إلى مراعاة "دفتر شروط" غير مكتوب، حيث الولاءات أهم من الكفاءات، والتوازنات أهم من البرامج. لعبة طويلة لا أحد يعرف نهايتها، سوى أن الرئيس يظل لاعباً محاصراً على رقعة الشطرنج، يتقدم بحذر، مدركاً أن أي خطوة ناقصة قد تُسقط الملك.

مجابات

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.