موريتانيا والمراقبة الجوية الفرنسية: الأمن بين براغماتية المصالح وسيادة القرار

في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تدرس فرنسا إمكانية نقل جزء من قدراتها الجوية الخاصة بالمراقبة من السنغال إلى موريتانيا، خصوصا في أعقاب قرار داكار إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها. ويطرح هذا السيناريو كفرصة أمام نواكشوط لتعزيز قدراتها الأمنية، لاسيما في مجال مراقبة السواحل والحدود، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة مثل الهجرة غير النظامية، واللجوء، وتنامي الإرهاب والجريمة المنظمة في جوارها الجغرافي.

يقدم هذا التقدير قراءة تحليلية لهذه الفرضية، ويناقش أبعادها السياسية والأمنية والإقليمية، مستعرضا أهمية المراقبة الجوية الفرنسية ومكوناتها، وسياقها الإقليمي، ومكاسبها المحتملة بالنسبة لموريتانيا، مع التركيز على ضرورة الحفاظ على السيادة الوطنية وخصوصية القرار الموريتاني المستقل.

تخلص الورقة إلى أن موريتانيا، التي حسمت منذ عقود علاقتها التاريخية مع فرنسا واستعادت سيادتها، قادرة اليوم على الدخول في شراكات أمنية تكتيكية دون التفريط باستقلالها الاستراتيجي، شرط أن تؤطَّر هذه الشراكات ضمن رؤية وطنية واضحة، وتوازن دقيق في علاقاتها الخارجية.

توصي الورقة بضرورة وضع إطار قانوني صارم لأي تعاون محتمل، واشتراط نقل أو تشغيل مشترك للوسائط الجوية، مع استثمار جزء من عائدات الغاز في بناء بنية تحتية وطنية للمراقبة والاستطلاع. كما تدعو إلى إدارة هذا الملف بشفافية وتواصل مؤسسي وشعبي، بما يعزز مناعة القرار السيادي ويدعم جهود موريتانيا في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية المتصاعدة.

تمهيد:

تشهد منطقة الساحل وغرب إفريقيا تقلبات جيوسياسية غير مسبوقة، تتجلى في تراجع الوجود الفرنسي في عدد من الدول التي كانت إلى وقت قريب تعد حليفا تقليديا لباريس، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر والسنغال. وفي المقابل، تتجه فرنسا إلى إعادة تموضعها في دول أكثر استعدادا للتعاون الأمني ضمن مقاربات جديدة تضع المصالح الوطنية في صدارة الأولويات.

في هذا الإطار، تبرز موريتانيا كمرشح محتمل لاستضافة جزء من القدرات الفرنسية المتعلقة بالمراقبة الجوية، بعد قرار السنغال سحب قواعدها الفرنسية بحلول سبتمبر 2025. وتطرح هذه الفرضية أسئلة جوهرية حول أبعاد هذا التحول الاستراتيجي، وانعكاساته المحتملة على الأمن القومي الموريتاني، في ظل بيئة إقليمية متقلبة، وأزمة أمنية متفاقمة تشمل الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.

تتكون القاعدة الفرنسية في السنغال، المعروفة باسم "العناصر الفرنسية في السنغال" (EFS)، من وحدات لوجستية وتدريبية ومراقبة، من أبرزها طائرة المراقبة البحرية Dassault Falcon 50 التي تؤدي مهام حساسة تشمل: المراقبة الجوية والبحرية، مكافحة الصيد غير المشروع، رصد أنشطة التهريب والهجرة، وتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وبينما تحاول فرنسا الحفاظ على موطئ قدم في منطقة الساحل، فإن موريتانيا تجد نفسها أيضا في حاجة متزايدة إلى دعم تقني موثوق يعزز من قدرتها على تأمين سواحلها وحدودها، وسط طوق من التهديدات المتعددة. وفي هذا التلاقي بين الحاجة الفرنسية لإعادة التموضع، والحاجة الموريتانية لتعزيز أدوات الدفاع والمراقبة، تتشكل فرصة سياسية وأمنية يمكن استثمارها بحذر وبراغماتية، شريطة أن تكون منسجمة مع الثوابت السيادية والمصلحة الوطنية العليا.

ولفهم أبعاد هذا التحول المحتمل بدقة، تقتضي الضرورة استعراض السياق الأمني الذي تعيشه موريتانيا، والتحديات الجيوسياسية المحيطة بها، قبل التطرق إلى ما يمكن أن تمثله هذه الخطوة من فرص أو مخاطر على الأمن القومي الموريتاني.

أولا: السياق الأمني الموريتاني والإقليمي

تعيش موريتانيا على تخوم بيئة أمنية معقدة تتميز بتدفقات بشرية متزايدة وتحديات هيكلية متشابكة. تمثل أزمة اللاجئين والمهاجرين في البلاد إحدى أبرز هذه المعضلات، حيث يؤدي تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين الماليين والمهاجرين غير النظاميين عبر حدود طويلة ومترامية الأطراف إلى فرض أعباء إضافية على الموارد الوطنية، فضلا عن إسهامه في نشوء تحديات أمنية واجتماعية تزداد تعقيدا بمرور الوقت.

يضاف إلى ذلك تنامي نشاط الجماعات الإرهابية المسلحة في مناطق متاخمة مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الأمر الذي يفرض على موريتانيا مواصلة تعزيز قدراتها الأمنية والاستخباراتية لمواجهة أي تهديد محتمل.وبالتوازي مع هذا الواقع، تشهد المناطق الحدودية نشاطا مكثفا لعصابات التهريب والجريمة المنظمة، ما ينعكس سلبا على جهود الدولة في بسط السيطرة على كامل أراضيها.

وبالنظر إلى موقعها الجغرافي وامتلاكها شريطا ساحليا طويلا، تجد البلاد نفسها أمام ضرورة ملحة لتأمين سواحلها بشكل صارم، خصوصا مع تصاعد أهمية الاكتشافات الغازية في مياهها الاقليمية. كما يبرز في هذا الإطار حجم التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في المنطقة، في ظل تزايد انخراط قوى كبرى مثل الصين وروسيا وتركيا في غرب إفريقيا، الأمر الذي خلق ميدانا للمنافسة السياسية والاقتصادية والأمنية في محيط موريتانيا.

بهذا المعنى، تتقاطع في الساحة الموريتانية جملة من العوامل الأمنية والإقليمية، تبدأ من تدفقات اللاجئين والمهاجرين إلى التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة، وتمتد إلى الحاجة الملحة لتأمين السواحل في ظل تنافس دولي وإقليمي حادين. وتضع هذه التعقيدات مجتمعة موريتانيا في قلب فضاء إقليمي تتباين فيه المصالح وتتصاعد فيه الرهانات الأمنية، ما يستوجب من صناع القرار انتهاج مقاربات عملية ومتعددة الأبعاد للحفاظ على الاستقرار الوطني ودعم الأمن الجماعي في المنطقة.

ثانيا: الأهمية الاستراتيجية للمراقبة الجوية الفرنسية بالنسبة لموريتانيا

يتيح انتقال المراقبة الجوية الفرنسية إلى الأراضي الموريتانية لنواكشوط في حالة حصوله مكاسب استراتيجية عدة. فقبل كل شيء، يمكن لهذه الخطوة أن تعزز القدرات الفنية للمراقبة الجوية والبحرية، من خلال الاستفادة من طائرات استطلاع متقدمة مثل Falcon 50، وهو ما يمكن من رصد الأنشطة غير القانونية بدقة عالية سواء في المياه الإقليمية أو المنافذ الحدودية.

إلى جانب ذلك، يشكل هذا الانتقال دعما مباشرا لجهود الأمن البحري، لا سيما في حماية الاستثمارات الاستراتيجية المرتبطة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى المساعدة في مكافحة الهجرة غير النظامية والتصدي للقرصنة البحرية. وبالتوازي مع البعد الأمني، فمن شأن مثل هذا التعاون العسكري أن يسهم في تطوير القدرات الاستخباراتية الموريتانية؛ إذ ستستفيد الأجهزة الوطنية من الخبرات الفنية والتقنية الفرنسية في مجال الاستطلاع الجوي وتحليل البيانات.

يمتد الأثر الإيجابي لهذه الخطوة ليشمل البعد التدريبي ونقل التكنولوجيا، حيث قد ترفق بمشاريع وبرامج تدريب وتأهيل ترفع من مستوى احترافية وكفاءة المؤسسات الأمنية والعسكرية الموريتانية. كما لا يمكن إغفال الإمكانات الدبلوماسية التي قد يوفرها مثل هذا التعاون؛ ذلك أن توثيق العلاقات الثنائية مع فرنسا في هذه الظرفية الحساسة بإمكانه أن يمنح الجانب الموريتاني مساحات تفاوضية إضافية في مجالات اقتصادية وتنموية، وأن يعزز مكانة البلاد إقليميا ودوليا.

ثالثا: اعتبارات السيادة الوطنية وخطاب ما بعد الاستعمار

على عكس بعض دول الجوار التي ما تزال تعاني من توترات مترتبة عن حقبتي الاستعمار والاستعمار الجديد، فقد تمكنت موريتانيا من حسم علاقتها مع فرنسا منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث دفعت النضالات المبكرة للقوى الوطنية، السلطات الموريتانية حينها على مراجعة الاتفاقيات العسكرية مع باريس واستعادة سيادتها الأمنية، وتأميم شركة "ميفرما"الاستعمارية، واعتماد العملة الوطنية (الأوقية) بعد الخروج الشجاع والناجح من فلك الفرنك الإفريقي.

وقد أسهمت هذه الخطوات ـ التي ما تزال شعوب عديدة في المنطقة تكافح من أجل الحصول على بعضها ـ في ترسيخ أسس سيادة وطنية صلبة، وجعلت أي شراكة مستقبلية مع فرنسا أو غيرها مبنية على أسس مصلحية يحددها الموريتانيون أنفسهم، بعيدا عن عقدة الإرث التاريخي. وهو ما انعكس بوضوح خلال الفترات اللاحقة لتلك المنجزات الثورية على خيارات موريتانيا للبحث عن شراكات استراتيجية في المجالات الأمنية والدفاعية، انطلاقا من منظور براغماتي يضع المصلحة الوطنية في المقام الأول.

نتيجة لذلك، أصبح من الممكن النظر إلى التعاون مع فرنسا في مجال المراقبة الجوية، مثلا، باعتباره خطوة تقنية "منزوعة الدسم الاستعماري" تخدم أهداف الأمن القومي، بعيدا عن الاعتبارات التاريخية التي قد تحكم علاقات فرنسا مع دول أخرى في المنطقة وحتى خارجها.

رابعا: البعد الجيوسياسي والإقليمي

على الصعيد الإقليمي، يبرز سؤال العلاقات مع دول الجوار بوصفه محورا أساسيا في أي تموضع عسكري جديد بخصوص المراقبة الجوية الفرنسية. فعلى الرغم من أن السنغال تتجه نحو الاستغناء عن الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها، إلا قد لا تنظر بالترحيب إلى نقل هذه القدرات إلى دولة مجاورة بصورة غير مشروطة؛ ممايستلزم تنسيقا مسبقا لتفادي أن تولد مثل هذه الخطوة توترا بين البلدين أو في المحيط الإقليمي عموما. وفيما يتعلق بدولة مالي وبقية دول الجوار، فإن مواقفها من هذه الخطوة قد تتباين بحسب مدى إدراكها لأثر هذا التحول على توازن القوى الإقليمي، خاصةً في ظل الحضور البارز للحركات المسلحة والجماعات الإرهابية.

وضمن هذا الاطار، ينبغي أيضا عدم إغفال التنافس الدولي المتصاعد في منطقة الساحل، إذ تتطلع قوى عالمية عديدة إلى توسيع نفوذها أو إلى إيجاد موطئ قدم عسكري واقتصادي، وذلك بالنظر إلى ما تمتلكه منطقة الساحل وغرب إفريقيا من ثروات وموارد طبيعية هائلة.وفي حال تمركز مراقبة جوية فرنسية في موريتانيا، فقد تثار تساؤلات لدى أطراف أخرى منافسة على غرار روسيا وحتى الصين، التي تراقب هي الأخرى التطورات في المنطقة عن كثب. ومع ذلك، يمكن لموريتانيا استثمار هذا التنافس بصورة إيجابية عبر بناء شراكات متعددة الاتجاهات، بشكل يراعي مصالحها الأمنية والتنموية على حد سواء.

ضمن الإطار القاري والإقليمي، قد يشكل هذا التعاون فرصة لإسناد جهود الدول الراغبة في محاربة الإرهاب والقرصنة والهجرة غير النظامية، من خلال توظيف القدرات الفرنسية المنقولة نحو موريتانيا في دعم مهام تنسيق العمليات الاستخباراتية والعسكرية على المستوى الإقليمي. غير أن هذا الخيار مرهون بقدرة نواكشوط وباريس على مواءمة هذا الدور مع رؤية الشركاء الآخرين في المنطقة، وتوضيح حدود التعاون كي لا يتجاوز الهدف العسكري الفني إلى خلق حساسيات سياسية.

خامسا: أبرز التحديات الداخلية

تواجه موريتانيا تحديات داخلية عديدة قد تؤثر على مدى نجاح احتضان أي وجود عسكري فرنسي تقني أو بري.لعل أبرز هذه التحديات يرتبط بالرأي العام الداخلي الذي ينظر إلى الوجود الأجنبي في البلاد بحذر، حتى وإن كان بالغ الأهمية لأغراض التدريب أو المراقبة. ورغم تجاوز موريتانيا عقدة الإرث الاستعماري، إلا أن الحساسية المفرطة لدى بعض القوى السياسية والاجتماعية قد تخلق جوا من التشكيك في أي تعاون عسكري خارجي، وهو ما يحتم على الحكومة اتباع سياسة اتصالية واضحة لشرح أبعاد هذا التعاون ومردوديته.

كما تبرز أيضا المخاوف المتعلقة بالسيادة الوطنية، إذ يترتب على أي وجود عسكري أجنبي ضرورة توفير ضمانات قانونية ومؤسسية تضمن للسلطات الموريتانية سيطرة كاملة على أجوائها ومجالها السيادي، فضلا عن القدرة على إدارة المعلومات الاستخباراتية بشكل مستقل، ذلك أنه من دون توفر هذه الشروط، قد تتنامى هواجس اعتماد موريتانيا على مصادر خارجية.

إلى جانب ذلك، سيلقي الجانب اللوجستي وضعف البنيةالتحية بثقله على طبيعة ومستوى التعاون، حيث أن استضافة طائرات مراقبة متقدمة مثل Falcon 50يستدعي تطوير المنشآت الجوية والمرافق الملحقة بها، إضافة إلى تدريب طواقم محلية قادرة على التعامل مع هذه التكنولوجيا بكفاءة. وفي غياب الاستثمار المناسب في هذا المجال، من شأن التعاون الفرنسي أن يظل محدودا ومؤقتا، وبالتالي قاصرا عن أن يترجم إلى مكاسب استراتيجية دائمة لدولة موريتانيا.

الخاتمة:

في بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتزايد التهديدات الأمنية وتسارع التحولات الجيوسياسية، تفرض الضرورة على موريتانيا أن تبحث عن أدوات جديدة لتعزيز أمنها الوطني وحماية مصالحها الاستراتيجية. ويأتي التعاون مع فرنسا في مجال المراقبة الجوية كفرصة يمكن توظيفها ضمن مقاربة أمنية مرنة تراعي خصوصية موريتانيا، وتستثمر في خبرات وتقنيات متقدمة دون التفريط في السيادة الوطنية.

إن الانفتاح على مثل هذا التعاون لا يعني التبعية أو الارتهان، بل يعكس قدرة موريتانيا على تبني سياسات واقعية تقوم على مبدأ المصلحة الوطنية العليا، مع الحفاظ على استقلال القرار السيادي. فحاجة البلاد إلى مراقبة فعالة لحدودها وسواحلها، وسط تزايد الهجرة غير النظامية وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب، تستدعي حلولا عملية قد لا تكون متاحة إلا من خلال شراكات ذكية ومحددة.

ورغم الحساسية السياسية والاجتماعية التي قد تثيرها مسألة التواجد العسكري الأجنبي، فإن الدولة الموريتانية مدعوة إلى التعامل مع هذه القضايا بمنظور استراتيجي، يوازن بين مقتضيات الأمن القومي ومطالب الاستقلال الكامل. فحماية الأرواح والممتلكات والثروات الوطنية، وضمان استقرار البلاد، هي أولويات لا يمكن التفريط بها، خاصة في منطقة بات فيها البقاء والاستمرار مرهونين بامتلاك أدوات الردع والسيطرة والمعرفة.

وبالتالي، فإن أي قرار يتعلق باستضافة قدرات مراقبة جوية فرنسية يجب أن يكون نتاج دراسة عميقة، تتضمن تقييما موضوعيا للمكاسب والمخاطر، وتبنى على قاعدة من الشفافية والوضوح، والتخطيط بعيد المدى، بما يضمن انسجامه مع التوجهات الكبرى للأمن القومي الموريتاني.

التوصيات:

في ضوء ما سبق، ولضمان استفادة موريتانيا القصوى من أي تعاون محتمل مع فرنسا في مجال المراقبة الجوية، دون المساس بسيادتها أو مصالحها الوطنية، تبرز مجموعة من التوصيات الاستراتيجية:

ينبغي أولا أن تسهر الحكومة الموريتانية على تأطير التعاون المتوقع ضمن اتفاقية قانونية وفنية محكمة، تتضمن تعريفا دقيقا لنطاق هذا التعاون، ومدته، وأهدافه، مع التنصيص بوضوح على آليات الرقابة الموريتانية الكاملة، وحصرية الاستفادة من البيانات الاستخباراتية والمخرجات التقنية التي ستنتج عن هذا التعاون.

كما يفضل التفاوض مع الجانب الفرنسي حول إمكانية نقل ملكية الطائرة المعنية (أو جزء من الوسائط الفنية المستخدمة) إلى سلاح الجو الموريتاني، أو على الأقل تشغيلها بشكل مشترك، بما يعزز استقلالية القرار الفني والتقني ويضمن بناء تراكم مؤسسي محلي في هذا المجال الحيوي.

وفي السياق ذاته، ينبغي لموريتانيا أن تستثمر جزءا من عائدات مواردها الطبيعية، خصوصا الغاز، في تطوير بنيتها التحتية الاستخباراتية والمراقبة الجوية والبحرية، حيث يعد هذا الاستثمار الداخلي ضمانة رئيسية لتقليص الاعتماد على الشركاء الخارجيين في المستقبل وبناء منظومة دفاع سيادية متكاملة.

ومن الضروري أيضا أن تحافظ موريتانيا على توازنها في علاقاتها الخارجية، وتتفادى الانخراط في محاور متصارعة على المستويين الإقليمي والدولي. فالبراغماتية تقتضي أن تفتح نواكشوط قنوات تعاون مع جميع الفاعلين الدوليين، شرط توافق ذلك مع مصالحها العليا وأمنها القومي.

ولا يقل عن ذلك أهمية ضرورة إشراك الرأي العام الوطني والنخب السياسية والمدنية في مناقشة هذا التعاون المحتمل، من خلال حملات توعية تشرح أهدافه ومكاسبه وشروطه، بما يضمن تعبئة وطنية داعمة له، ويعزز من مشروعيته الداخلية ويحصنه من التأويلات السياسية أو الإعلامية السلبية.

تلك التوصيات، إذا ما أُخذت بعين الاعتبار، يمكن أن تحول سيناريو التعاون الفرنسي في حالة حصوله إلى ورقة قوة حقيقية في يد الدولة الموريتانية، تمكنها من حماية أمنها واستثمار موقعها، دون المساس بثوابتها السيادية أو خياراتها الاستراتيجية المستقلة.

مركز أودغست للدراسات الإقليمية

02 ابريل 2025

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.